فهرس الكتاب

الصفحة 333 من 366

وقد مدحه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على صنيعه هذا قبل أن يصبح واقعا، إذْ ترك سلطان الدنيا الفانية رغبة في آخرة هي خير وأبقى، وحقنا لدماء هذه الأمة، فنزل عن الخلافة، وجعل المُلْكَ بِيَدِ معاوية حتى تجتمع الكلمة على أمير واحد، وسمي ذلك العام"عام الجماعة".

كان تسليم الحسن الخلافةَ لمعاوية رضي الله عنهما محققا لبشارة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ له؛ إذْ هو السيد الذي أصلح الله به بين طائفتين عظيمتين، كذلك كان به انقضاء دور الفتن والشقاق الذي كان مبدؤه من النصف الثاني من خلافة عثمان رضي الله عنه.

وقد استمرت الفتنة مشتعلة بضع سنوات، ولو كانت في أمة أخرى لهدمت أركانها، وقوضت بنيانَها، ولكن الله الرحمن الرحيم نظر إلى دينه القويم بعين عنايته، وبعظيم رحمته، وبجميل لطفه، فألّف قلوب أهله، وحفظه كما وعد.

وكان عقد البيعة من الحسن لمعاوية في ربيع الأول، أو الآخر سنة إحدى وأربعين، وحرص الصحابة من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان على جمع الكلمة، ونبْذ الفُرقة، والدخول في الجماعة، فسُمّي ذلك العام عامَ الجماعة؛ لدخولهم جميعا في طاعة أمير واحد، واجتماعهم بعد الفُرقة، ولاستئنافهم الجهادَ وتفرغِهم للفتوح ونشر دعوة الإسلام، بعد أن عطّل قَتَلَةُ عثمان سيوفَ المسلمين عن أداء هذه المهمة خمسَ سنوات، كان يستطيع المسلمون أن يسجلوا فيها أمجادا كبعض الذي حققوه من قبل في ظل الخلافة الراشدة.

و عن ثابت مولى سفيان، سمعت معاوية، وهو يقول: إني لست بخيركم، وإن فيكم من هو خير مني: ابن عمر، وعبد الله ابن عمرو وغيرهما، ولكني عسيت أن أكون أنكاكم في عدوكم، وأنعمكم لكم ولاية، وأحسنكم خلقا [1]

جاءت الفتنة فأوقفت حركة الجهاد وفتوح البلدان ونشر الإسلام في ربوع المعمورة حتى عام الجماعة، فلم يكن للمسلمين غزو منذ قُتِلَ عثمان ـ رضي الله عنه ـ حتى كان عام الجماعة، فغزا جند معاوية أرضَ الروم ستَّ عشرةَ غزوةً، تذهب سَرِيّة في الصيف ويُشْتُون بأرض الروم، ثم تقفل وتعقبها أخرى، وكان في جملة مَنْ قاد الغزو يزيد بن معاوية ومعه خلق من الصحابة، فقاتلوا أهل القسطنطينية على بابها، ثم قفل بهم راجعا إلى الشام.

عن سعيد بن عبد العزيز قال: أغزا معاوية الناس الصوائف وشتاهم بأرض الروم ست عشرة صائفة بها وشتوا ثم يقفل ويدخل معقبتها ثم اغترهم فأغزاهم يزيد ابنه في جماعة من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في البر والبحر حتى أجاز بهم الخليج وقاتلوا أهلها على بابها وقفل قالوا فلم يزل معاوية على ذلك حتى مضى لسبيله

(1) - سير أعلام النبلاء - (ج 3 / ص 150)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت