فهرس الكتاب

الصفحة 286 من 366

إلَّا بِالْقِتَالِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. {مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ حُرْمَتِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ} . قَالُوا: فَبِتَقْدِيرِ أَنَّ جَمِيعَ الْعَسْكَرِ بُغَاةٌ فَلَمْ نُؤْمَرْ بِقِتَالِهِمْ ابْتِدَاءً؛ بَلْ أُمِرْنَا بِالْإِصْلَاحِ بَيْنَهُمْ و"أَيْضًا"، فَلَا يَجُوزُ قِتَالُهُمْ إذَا كَانَ الَّذِينَ مَعَهُمْ نَاكِلِينَ عَنْ الْقِتَالِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا كَثِيرِي الْخِلَافِ عَلَيْهِ ضَعِيفِي الطَّاعَةِ لَهُ. و"الْمَقْصُودُ"أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَا يُبِيحُ لَعْنَ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَا يُوجِبُ فِسْقَهُ. وَأَمَّا"أَهْلُ الْبَيْتِ"فَلَمْ يُسَبُّوا قَطُّ. وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَلَمْ يَقْتُلْ الْحَجَّاجُ أَحَدًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، وَإِنَّمَا قَتَلَ رِجَالًا مِنْ أَشْرَافِ الْعَرَبِ، وَكَانَ قَدْ تَزَوَّجَ بِنْتَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ فَلَمْ يَرْضَ بِذَلِك بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ وَلَا بَنُو هَاشِمٍ وَلَا بَنُو أُمَيَّةَ حَتَّى فَرَّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا؛ حَيْثُ لَمْ يَرَوْهُ كُفُؤًا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [1]

التحكيم[2]

لما حل شهر رمضان سنة سبع وثلاثين أرسل عليٌّ أبا موسى الأشعري حَكَما عنه في أربعمائة رجل، عليهم شريح بن هانئ الحارثي، ومعهم عبد الله بن عباس يصلِّي بهم ويَلي أمورهم، وبعث معاوية عمرَو بن العاص في أربعمائة فارس من أهل الشام وعليهم شُرَحْبِيلُ ابن السّمط، فتوافَوْا بدُومَة الجَنْدَل بأذْرُح، وهي نصف المسافة بين الكوفة والشام، وشهد معهم جماعة من رءوس الناس: كعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، والمغيرة بن شعبة، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام.

فلما اجتمع الحَكَمان تراوَضَا على تحقيق ما فيه مصلحة للمسلمين، ونظرا في تقدير أمور، وأخذا يتباحثان .. وقد قرر الحكَمان ومن معهما من كرام الناس أن يُوكَل أمر النظر في إمامة المسلمين إلى كبار الصحابة وأعيانهم، مع استمرار سلطان عليٍّ على ما تحت يده، ويبقى معاوية متصرفا فيما تحت يده حتى يتم نظرُ الصحابة، ولكن لم يَلْتَقِ الصحابة لتنفيذ ما اتفق عليه الحكَمان.

قال ابن العربي رحمه الله في العواصم:

قاصمة التحكيم

وقد تحكم الناس في التحكيم فقالوا فيه ما لا يرضاه الله. وإذا لحظتموه بعين المروءة - دون الديانة - رأيتم أنها سخافة حمل على سطرها في الكتب في الأكثر عدم الدين، وفي الأقل جهل متين.

والذي يصح من ذلك ما روى الأئمة كخليفة بن خياط (1) والدارقطني (2) : أنه لما خرج الطائفة العراقية مائة ألف والشامية في سبعين أو تسعين ألفا ونزلوا على الفرات بصفين، اقتتلوا في أول يوم - وهو الثلاثاء - على الماء فغلب أهل العراق عليه (3) .

ثم التقوا يوم الأربعاء لسبع خلون من صفر سنة [سبع وثلاثين] ويوم الخميس ويوم الجمعة وليلة السبت (4) ، ورفعت المصاحف من أهل الشام، ودعوا إلى الصلح، وتفرقوا على أن تجعل كل طائفة أمرها إلى رجل حتى يكون الرجلان

(1) - مجموع فتاوى ابن تيمية - (ج 9 / ص 203) فما بعد

(2) - البداية والنهاية لابن كثير مدقق - (ج 8 / ص 411)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت