فهرس الكتاب

الصفحة 133 من 366

اختاره أبو بكر من قبل لما هو أكبر من هذا العمل، وهو جمعُ القرآن في مصحفٍ واحدٍ.

وقد كان عثمان يعلم ـ كما يعلم سائر الصحابة ـ مكانةَ ابنِ مسعود وعلمَه وصدقَ إيمانه، وكان الخليفة على حق حين ألغى المصاحف الأخرى كلها، ومنها مصحف ابنِ مسعود، فذلك أبقى لوحدة الأمة، وراد للاختلاف في كتاب الله تعالى، وكان جمهور الصحابة في كل ذلك مع عثمان.

ومع أن هذا خلاف وارد بين البشر، بل خلاف مشروع بين العقول، إلا أن مَنْ لا يفهمون ذلك ممن قاموا يعترضون على الخليفة أشاعوا أن عثمان ضرب ابنَ مسعود ومنع عنه عطاءه. [1]

الاجتهاد باب من الأبواب التي يقوى بها تفاعل الدين مع الحياة والناس، إذ إن الزمان مع تغيره والحياة مع تطورها يقذفان الناس بقضايا جديدة وأمور لم تسبق لهم من قبل، فيتعامل عقل العالم مع روح الدين والقرآن والسنة ونصوصهما في محاولة الوصول إلى الحق.

وقد كان الخلفاء الراشدون جميعا يملكون أهلية الفتوى والقدرة على الاجتهاد، وكانت لأبي بكر وعمر اجتهاداتهما الكثيرة.

غير أن الثوار الذين قاموا في وجه الخليفة عثمان رضي الله عنه سلبوه هذا الحق، واتخذوا بعض فتاواه سلاحا يُشْهِرونه للثورة عليه والتشهير به، بل شككوا في فضله وسابقته في الجهاد والإيمانِ بالله ورسوله.

لقد راحوا يتصيدون للخليفة الراشد ما حسبوه - بسوء تدبيرهم وخيبة فألهم - طعنًا سينال من ورع الخليفة وحسن طاعته لله ولرسوله، أو من قدره في نفوس المؤمنين والصالحين.

قالوا: إن الخليفة وحد المصاحف كلها في مصحف واحد، وجمع المصاحف الأخرى وأحرق أوراقها.

(1) - وعند ولاية عثمان كان ابن مسعود واليا لعمر على أموال الكوفة، وسعد بن أبي وقاص واليا على صلاتها وحربها، فاختلف سعد وابن مسعود على قرض استقرضه سعد - كما سيأتي - فعزل عثمان سعدا وأبقى ابن مسعود. وإلى هنا لا يوجد بين ابن مسعود وخليفته إلا الصفو. فلما عزم عثمان على تعميم مصحف واحد في العالم الإسلامي يجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أنه هو المصحف الكامل الموافق لآخر عرضة عرض بها كتاب الله - عز وجل - على رسوله صلى الله عليه وسلم قبل وفاته، كان ابن مسعود يود لو أن كتابة المصحف نيطت به، وكان يود أيضا لو يبقى مصحفه الذي كان يكتبه لنفسه فيما مضى. فجاء عمل عثمان على خلاف ما كان يوده ابن مسعود في الحالتين: أما في اختيار عثمان زيد بن ثابت لكتابة المصحف الموحد فلأن أبا بكر وعمر اختاراه قبل ذلك لهذا العمل في خلافة أبي بكر، بل إن أبا بكر وعمر اختارا زيد بن ثابت في البداية لأنه هو الذي حفظ العرضة الأخيرة لكتاب الله على الرسول صلوات الله عليه قبيل وفاته، فكان عثمان على حق في هذا، وهو يعلم - كما يعلم سائر الصحابة - مكانة ابن مسعود وعلمه وصدق إيمانه. ثم إن عثمان كان على حق أيضا في غسل المصاحف الأخرى كلها ومنها مصحف ابن مسعود، لأن توحيد كتابة المصحف على أكمل ما كان في استطاعة البشر هو من أعظم أعمال عثمان بإجماع الصحابة، وكان جمهور الصحابة في كل ذلك مع عثمان على ابن مسعود (انظر منهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية 3: 191 - 192) . وعلى كل حال فإن عثمان لم يضرب ابن مسعود ولم يمنعه عطاءه، وبقي يعرف له قدره كما بقي ابن مسعود على طاعته لإمامه الذي بايع له وهو يعتقد أنه خير المسلمين وقت البيعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت