فهرس الكتاب

الصفحة 250 من 366

لكن الحرب عادت لتشتدَّ في يوم الخميس تاسع صفر، ولم يصدَّهم عن القتال إقبالُ الليل، فما صلَّى الناسُ المغربَ والعشاءَ إلا بالإشارة، واستمر القتالُ هذه الليلةَ كلَّها، وهي من أعظم الليالي شرّا بين المسلمين، وتُسمى"ليلة الهرير"، [1] تكسرت فيها الرماح، ونَفِدت النِّبال، وصار الناسُ إلى السيوف، واستمر القتال إلى ضُحى الجمعة، وكلا الفريقين صابر للآخر، والناس يكاد يُفني بعضُهم بعضًا، فأشار عمرو على معاوية برفْع المصاحف على أسِنَّةِ الرماح، ونادى المنادِي: هذا كتاب الله ـ عز وجل ـ بيننا وبينكم، مَنْ لِثُغُور أهل الشام بعد أهل الشام؟! ومَنْ لِثُغُور أهل العراق بعد أهل العراق؟! [2]

فاستجاب علي ـ رضي الله عنه ـ لنداء الصلح، وأوقف القتال، ولجأ الفريقان إلى التحكيم وضرب عليٌّ أروعَ الأمثلة في سيرته مع مَنْ قاتَلَه يوم صِفِّين.

واعترض مثيرو الفتن على الصلح، لكن رغبةَ أكثر أهل الشام وأهل العراق كانت المصالحة والمسالمة مدة، لعل اللهَ يُحْدِثُ فيها اتفاقا بين المسلمين، وكتب بينهما كتاب القضية. وقد شارك هذا الأمر في تقوية وضع معاوية بن أبي سفيان بصورة أكبر، حتى تمت له السيطرة على مصر.

وهكذا انتهت هذه الفاجعةُ الكبرى، التي راح ضحيتَها آلافٌ من النفوس الطاهرة.

دفع بعضُ الثوار من قتلة عثمان ـ رضي الله عنه ـ بالأمور إلى حافة الهاوية، وأجَّجُوا الفتنة، وأكّدوا في حِسّ معاوية وأهل الشام مسئوليتَهم عن قتل عثمان.

وكان أحدهم يرتجز يوم صِفِّين، مفتخرا بقتل أمير المؤمنين الشهيد عثمان بن عفان!

وقد بلغ من سيطرة هؤلاء السفهاء على مجريات الأمور بالكوفة أن الناس كانوا إذا سمعوا أحدا يذكر عثمان بخير ضربوه، فزجرهم عليّ لما علم بذلك ونهاهم عنه.

فهل كان في وسع معاوية عندما يسمع صوت البَغْي هذا أن يصم أذنيه؟ هل كان يُقْبَلُ منه أنْ يتجاهل كل ذلك؟!

قُرًّاء القرآن وصورة مضيئة:

إنها اليد المؤمنة التي أمسكت بالمصحف وتابَى أن تمتد إلى مسلم بسوء، فقد علمهم القرآن أن يكونوا رحماءَ بالمؤمنين، بل أذلةً بين أيديهم، وأن يكونوا أعزةً على من يحارب الحق ويمنع عن الناس ضياءه ..

هؤلاء هم قُرَّاءُ القرآن الذين حضّهم علي بن أبي طالب مع أهل الكوفة؛ ليخرجوا معه لقتال أهل الشام، فأجابه جُلّ الناس إلى المسير، إلا أصحاب عبد الله بن مسعود في نحو أربعمائة رجل من القراء.

فقالوا:"يا أمير المؤمنين، قد شكَكْنا في هذا القتال مع معرفتنا فضلَك، ولا غنى بك ولا بالمسلمين عمن يقاتل المشركين، فولِّنا بعضَ هذه الثغور لنقاتل عن"

(1) - تاريخ الرسل والملوك - (ج 3 / ص 98)

(2) - تاريخ الرسل والملوك - (ج 3 / ص 100) والبداية والنهاية 7/ 303

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت