فهرس الكتاب

الصفحة 318 من 366

سلك ناحيةَ الأنْبار، وبعث بين يديْه قيسَ بنَ سعد، وأمَرَه أن يأتي المدائن، وأن يلقاه بنائبها سعد بن مسعود الثقفي في جيش المدائن؛ فاجتمع الناسُ هنالك على عليٍّ، وبعث إلى الخوارج أنْ أخرجوا إلينا قَتَلَةَ إخوانِنا منكم حتى نقتلهم، ثم نحن تارِكُوكم .. ثم لعل الله أن يُقبِل بقلوبكم، ويردَّكم إلى خيرٍ مما أنتم عليه. فبعثوا إلى عليٍّ يقولون: كلُّنا قَتَلَةُ إخوانِكم، ونحن مستحِلُّون دماءَهم ودماءَكم.

فتقدم إليهم قيس بن سعد بن عبادة، فوعظهم فيما ارتكبوه من الأمر العظيم، والخطب الجسيم، فلم ينفع، وكذلك أبو أيوب الأنصاري أنَّبَهم ووبَّخَهم فلم ينفع. وتقدم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب فوعظهم وخوفهم، وأنذرهم وحذرهم وتوعدهم، لكن الخوارج أبَوْا إلا ما عزموا عليه، وامتنعوا عن تسليم مَنْ قتلَ عبدَ الله بن خباب، فعبأ لهم أمير المؤمنين جيشه ليقاتلَهم، فجعل على ميمنته حُجرَ بن عدي، وعلى ميسرته شَبَثَ بن ربعي، وعلى الخيل أبا أيوب الأنصاري، وعلى الرَّجَّالة أبا قتادة الأنصاري، وعلى أهل المدينة ـ وهم سبعمائة ـ قيسَ بن سعد، وتقدموا فاصطفّوا للقتال.

وعبّأت الخوارج، فجعلوا على ميمنتهم زيدَ بن حصين الطائي، وعلى الميسرة شُرَيْح بن أوفى العبسي، وعلى خيلهم حمزةَ بن سنان الأسديّ، وعلى الرَّجالة حُرْقُوص بن زهير السعدي، واصطفوا مواجهين أميرَ المؤمنين عليا وأصحابه.

موقعة النهروان[1]

سار الخوارجُ مَعَبَّئين إلى جيش عليٍّ، فقدّم أمير المؤمنين الخيل بين يديه دون الرجال، وصفّ الناس وراءَ الخيل صَفَّيْن، وقدّم منهم الرماة، وقال لأصحابه: كُفُّوا عنهم حتى يبدءوكم. وأقبلت الخوارجُ يقولون: لا حُكْمَ إلا لله، الرَّوَاحَ الرواحَ إلى الجنة! فحملوا على الخَيّالة الذين قدّمهم عليّ ففرّقوهم، حتى أخذت طائفةٌ من الخيالة إلى الميمنة، وأخرى إلى الميسرة، ونهض إليهم الرجال بالرماح والسيوف، فصار الخوارج صَرْعَى تحت سنابك الخيول، وقُتل أمراؤهم: عبد الله بن وهب، وحُرْقوص بن زهير، وشُرَيْح بن أوفى، وعبد الله بن شجرة. ولم يقتلْ من أصحاب عليّ إلا سبعة نفر،

وفي رواية أن عليًا خرج في طلب ذي الثدية ومعه سليمان بن ثمامة الحنفي أبو جبرة، والريان بن صبر ابن هوذة، فوجده الريان بن صبرة بن هوذة في حفرة على شاطئ النهر في أربعين أو خمسين قتيلًا. قال: فلما استخرج نظر إلى عضده، فإذا لحم مجتمع على منكبه كثدي المرأة، له حلمة عليها شعرات سود، فإذا مدت امتدت حتى تحاذى طول يده الأخر، ثم تترك فتعود إلى منكبه كثدي المرأة، فلما استخرج قال علي: الله أكبر! والله ما كذبت ولا كذبت، أما والله لولا أن تنكلوا عن العمل، لأخبرتكم بما قضى الله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم لمن قاتلهم مستبصرًا في قتالهم، عارفًا للحق الذي نحن عليه. قال: ثم مر وهم صرعى فقال: بؤسًا لكم! لقد ضركم من غركم، فقالوا: يا أمير المؤمنين، من غرهم؟ قال: الشيطان، وأنفسٌ بالسوء أمارة، غرتهم بالأماني، وزينت لهم المعاصي، ونبأتهم أنهم ظاهرون. قال: وطلب من به

(1) - تاريخ الرسل والملوك - (ج 3 / ص 120 و 121)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت