فهرس الكتاب

الصفحة 168 من 366

وتزداد شدة الحصار، ويكاد المتآمرون يفعلون جريمتَهم النكراء، فيشير عبد الله بن الزبير بمثل ما أشار به المغيرة بن شعبة؛ والعجيب أن إجابة أمير المؤمنين تكاد تكون متماثلة في كلا الموقفين، ونلمح فيها ضمير المهاجر إلى الله وخلقَه وتصميمَه، ولا نلمح فيها مناورةً ولا حرصًا على الحياة.

أيُّ ورعٍ، وأي جلالٍ هذا .. ؟؟ خليفة تتأجج من حوله الفتن، وتُحاك له المؤامرات، وهو لا يريد مهما تكن العواقبُ أن يواجه هذا التمردَ بقوة السيف، مكتفيا بالزجر والتهديد .. ومع مَنْ؟؟ مع أناس يهاجمونه بألسنة حِدادٍ، ويُحرّضون على خلعه وقتله! .. رجلٌ يحيط به بغاةٌ مسلحون يريدون رأسه، وأمامه فرص النجاة والخلاص، ثم يرفضُها جميعا؛ لأنها ستنال من هيبة الدولة ومكانتها، وستنال أيضا من كرامة هجرتِه وثوابها .. ؟؟!!

وفي أية سِنٍّ كان وهو يحملُ هذا الولاء الفَتِيَّ الشابَّ للهجرة ولِحَقِّها، ويرفعُ هذا اللواء للدفاع عن مكانة الدولة وهيبتها .. ؟! في سن تجاوزت الثمانين .. !! إنه يرفض أيَّ نقص شكلي أو موضوعي للدولة وسلطانها ومبادئها، أو للهجرة وحقها ولو كان ثمن الرفض حياته .. !!

وصل إلى مسامع البُغاة تحركُ جيوش الأمصار لنجدة الخليفة، فأصروا على حَصْرِهِ والتضييق عليه، حتى منعوا عنه الطعام والماء، بل والصلاةَ في المسجد، وتهددوه بالقتل، ولهذا ذكّرهم بتوسعتِه للمسجد النبوي من ماله ـ وهو أول من مُنِعَ من الصلاة فيه ـ وأنه وَقَفَ بئرَ رومة على المسلمين ـ ومُنِع الشُّربَ من مائها ـ وذَكَرَ لهم سابقتَه في الإسلام وأعمالَه مع الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ علَّ كلماتِه تنجح في كفِّهم عنه وردِّهم إلى الطاعة لله ولرسوله وأولي الأمر منهم. ولكنهم لجُّوا في طغيانهم يَعْمَهُون، وأبَوْا إلا الباطل والبقاء على ما هم عليه من البغْيِ والعدوان، ومضوا يلتمسون العلل التي يحتجُّون بها لتبرير قتله.

ومنعوا الناس من الدخول إليه والخروج من عنده، حتى اشتد عليه الحال، وضاق المجال، ونَفِدَ ما عنده من الماء، فاستغاث بالمسلمين في ذلك، فكان أسرعَهم نجدةً له عليُّ بن أبي طالب وأم حبيبة بنت أبي سفيان زوجُ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ التي بادرت بنجدته، فنالها منهم شدةٌ عظيمة، ولم يبق لعثمان وأهله من الماء إلا ما يوصله إليهم آل عمرو بن حزم في خُفْيَةٍ ليلًا.

فعن أبي حارثة وأبي عثمان ومحمد وطلحة، قالوا: كان الحصر أربعين ليلة والنزول سبعين، فلما مضت من الأربعين ثمان عشرة، قدم ركبان من الوجوه فأخبروا خبر من قد تهيّأ إليهم من الآفاق: حبيب من الشأم، ومعاوية من مصر، والقعقاع من الكوفة، ومجاشع من البصرة؛ فعندها حالوا بين الناس وبين عثمان؛ ومنعوه كلّ شيء حتى الماء؛ وقد كان يدخل عليّ بالشيء مما يريد. وطلبوا العلل فلم تطلع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت