فهرس الكتاب

الصفحة 83 من 366

جاءت الفتوحات أيام الراشدين فحملت العرب والمسلمين إلى الأمصار يجاهدون في سبيل الله، فمنهم من أقام في الثغور، ومنهم من استقر في البلاد التي مُصِّرت ليكون قريبا من ساحات القتال، وهناك يَبتني دارا، ويتخذ أسرة لنفسه، وليس هؤلاء كلهم من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذين اهتدوا بهديه، وساروا على نهجه، وإنما كثير منهم من الأعراب - من تميم وكندة وقضاعة وكلب وباهلة وعبد القيس وبكر بن وائل - وكانت لهم في الفتوحات يد، فكانوا يشعرون بأن لهم منزلة لا تقل عن منزلة السابقين الأولين الذين جاهدوا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم ونصروا الدين في مواقفه الصعبة، ونسوا قول الله تعالى في حقهم: { ... لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} (10) سورة الحديد.

وفي الحقيقة، لم يكن الخير والتقوى في هذا المجتمع وقفا على الصحابة رضي الله عنهم - كما لم يكن الصحابة أنفسهم على درجة واحدة من الإيمان والتقوى، وإن كانوا جميعا عدولا أنقياء أمناء على الدين .. وجاءت آفة هذا المجتمع من أجلاف البدو الذين لم ينتفعوا من تهذيب الإسلام وتأديبه للنفس البشرية بالقدر الكافي، فعلمتهم حياة البادية والبيئة الخانقة كراهيةَ الحياة المستقرة، وقلةَ اتقاء الفتن؛ إذ لا يدركون خطرها الماحق، أو لا يهتمون بذلك أصلًا.

نظّم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه العطاء المالي للمسلمين على أساس تفضيل السابقين إلى الإسلام، وأصحاب المواقف العظيمة في الجهاد المبكر في سبيل الله، ومن كانوا قريبين إلى نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم وقلبه، كالعباس بن عبد المطلب وأمهات المؤمنين. وقد دل ذلك على مبلغ عناية عمر بهؤلاء النفر الذين يزيد الناس وينقصون هم، فهم الأسوة في المجتمع، وموضع الاقتداء لدى هذه الجماهير الحاشدة التى تُقبل على الإسلام. وعلى هذا المقياس سيأتي يوم قريب أو بعيد لا يصبح فيه وجود لهذه الصفوة في المجتمع، وبالتالي يتساوى الناس في العطاء.

ولم يكن تفضيل السابقين إلى الإسلام على غيرهم عند عمر تقليلا من حق القوى الاجتماعية والسياسية الجديدة المتمثلة في رجال القبائل ذوي الوفرة العددية والنجدة، الذين أطاحت أسيافهم بعروش كسرى وقيصر، لكن السابقين إلى نصرة دين الله ـ تعالى ـ أقبلوا على الإسلام مبكرا، وحملوا دعوته وقت أن كفرت به الدنيا من حولهم، وضحوا في سبيله، وحاربتهم الدنيا، فصبروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تصبر الجبال، حتى نصره الله، ثم بعد وفاته - صلى الله عليه وسلم - وانتشار الردة والتنبؤ، قاتلوا وصبروا مثل صبرهم الأولِ، حتى منّ الله عليهم بنصره، ولولاهم بعد فضل الله تعالى - ما كان فتح ولا غزو، وهم قادة الجيوش الفاتحة، ولولاهم بعد كرم الله تعالى - ما كان فيء ولا غنيمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت