يَزْدَجِرْد آخر ملوك الفرس، الذي كان يفر هاربا في البلاد أمام جيوش عبد الله بن عامر حتى قتل.
ثم رجع ابن عامر بعد أن فتح هذه البلاد العظيمة، فقيل له: ما فتح الله على أحد مثل ما فتح عليك: فارس وكرمان وسجستان وخراسان، فقال:"لا جرم، لأجعلن شكري لله على ذلك أن أخرج معتمرا من موقفي هذا فأحرم بعمرة من نيسابور"، ووفى بنذره، وفرق أموالا كثيرة في أهل المدينة.
ومن منجزات عبد الله بن عامر أيضا أنه أتم حفر نهر الأبلة، ذلك المشروع الضخم الذي ابتدأ في ولاية سلفه أبي موسى الأشعري، وحفر غيره من الأنهار التي زودت مدينة البصرة بالماء اللازم لها، واتصلت تجارتُها بالأقاليم المجاورة فدفع ذلك نموها وازدهارها.
وأسهم عبد الله بن عامر في تطوير البصرة بسياسته التي هدفت إلى تشجيع العمران بالمدينة، بمنح الإقطاعات للأشخاص ليتنامى الإنتاج، واتخاذ الأسواق وتأسيسها بالمدينة، فقام بشراء عددٍ من الدور وبنى في موضعها سوقا، لاسيما أن سوق المربد لم تعد قادرة على سد الحاجات الجديدة للمدينة.
(( ولما مضى من إمارة ابن عامر ثلاث سنين، بلغه أن في عبد القيس رجلًا نازلًا على حكيم بن جبلة، وكان حكيم بن جبلة رجلًا لصًّا، إذا قفل الجيوش خنس عنهم، فسعى في أرض فارس، فيغير على أهل الذّمة، ويتنكّر لهم، ويفسد في الأرض، ويصيب ما شاء ثم يرجع. فشكاه أهل الذمّة وأهل القبلة إلى عثمان. فكتب إلى عبد الله بن عامر: أن احبسه، ومن كان مثله فلا يخرجنّ من البصرة حتى تأنسوا منه رشدًا؛ فحبسه فكان لا يستطيع أن يخرج منها. فلما قدم ابن السوداء نزل عليه واجتمع إليه نفر فطرح لهم ابن السوداء ولم يصرّح، فقبلوا منه، واستعظموه، وأرسل إليه ابن عامر، فسأله: ما أنت؟ فأخبره أنه رجل من أهل الكتاب، رغب في الإسلام، ورغب في جوارك؛ فقال: ما يبلغني ذلك، اخرج عني. فخرج حتى أتى الكوفة فأخرج منها فاستقرّ بمصر، وجعل يكاتبهم ويكاتبونه، ويختلف الرجال بينهم. ) ) [1]
تعد مصر أحد مواطن القوة الإسلامية ومصادر ثراء المسلمين منذ توجه إليها عمرو بن العاص [2] من قيسارية بفلسطين لفتحها في أواخر سنة ثماني عشرة
(1) - تاريخ الرسل والملوك - (ج 2 / ص 463) تسيير عثمان من سيَّر من أهل البصرة إلى الشام
(2) - إنه الصحابي الجليل عمرو بن العاص بن وائل السهمي -رضي الله عنه- أحد فرسان قريش وأبطالها، أذكى رجال العرب، وأشدهم دهاءً وحيلة، أسلم قبل فتح مكة، وكان سبب إسلامه أنه كان كثير التردد على الحبشة، وكان صديقًا لملكها النجاشي، فقال له النجاشي ذات مرة: يا عمرو، كيف يعزب عنك أمر ابن عمك؟ فوالله إنه لرسول الله حقًا. قال عمرو: أنت تقول ذلك؟ قال: أي والله، فأطعني. [ابن هشام وأحمد] . فخرج عمرو من الحبشة قاصدًا المدينة، وكان ذلك في شهر صفر سنة ثمان من الهجرة، فقابله في الطريق خالد بن الوليد
وعثمان بن طلحة، وكانا في طريقهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فساروا جميعًا إلى المدينة، وأسلموا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم:، وبايعوه.
أرسل إليه الرسول صلى الله عليه وسلم يومًا فقال له: (خذ عليك ثيابك، وسلاحك، ثم ائتني) ، فجاءه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أني أريد أن أبعثك على جيش، فيسلمك الله ويغنمك، وأرغب لك رغبة صالحة من المال) . فقال: يا رسول الله، ما أسلمتُ من أجل المال، ولكنى أسلمتُ رغبة في الإسلام، ولأن أكون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم:. فقال صلى الله عليه وسلم: (نعم المال الصالح للرجل الصالح) [أحمد] .
وكان عمرو بن العاص مجاهدًا شجاعًا يحب الله ورسوله، ويعمل على رفع لواء الإسلام ونشره في مشارق الأرض ومغاربها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف لعمرو شجاعته وقدرته الحربية، فكان يوليه قيادة بعض الجيوش والسرايا، وكان يحبه ويقربه، ويقول عنه: (عمرو بن العاص من صالحي قريش، نعم أهل البيت أبو عبد الله، وأم عبد الله، وعبد الله) [أحمد] . وقال صلى الله عليه وسلم: (ابنا العاص مؤمنان، عمرو وهشام) [أحمد والحاكم] .
وقد وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية إلى ذات السلاسل في جمادى الآخرة سنة ثمان من الهجرة، وجعل أميرها عمرو بن العاص رضي الله عنه، وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص واليًا على عُمان، فظل أميرًا عليها حتى توفي النبي صلى الله عليه وسلم. وقد شارك عمرو بن العاص في حروب الردة وأبلى فيها بلاءً حسنًا.
وفي عهد الفاروق عمر -رضي الله عنه- تولى عمرو بن العاص إمارة فلسطين، وكان عمر يحبه ويعرف له قدره وذكاءه، فكان يقول عنه: ما ينبغي لأبي عبد الله أن يمشي على الأرض إلا أميرًا. [ابن عساكر] ، وكان عمر إذا رأى رجلًا قليل العقل أو بطيء الفهم يقول: خالق هذا وخالق عمرو بن العاص واحد.
وكان عمرو يتمنى أن يفتح الله على يديه مصر، فظل يحدث عمر بن الخطاب عنها، حتى أقنعه، فأمَّره الفاروق قائدًا على جيش المسلمين لفتح مصر وتحريرها من أيدي الروم، فسار عمرو بالجيش واستطاع بعد كفاح طويل أن يفتحها، ويحرر أهلها من ظلم الرومان وطغيانهم، ويدعوهم إلى دين الله عز وجل، فيدخل المصريون في دين الله أفواجًا.
وأصبح عمرو بن العاص واليًا على مصر بعد فتحها، فأنشأ مدينة الفسطاط، وبنى المسجد الجامع الذي يعرف حتى الآن باسم جامع عمرو، وكان شعب مصر يحبه حبًا شديدًا، وينعم في ظله بالعدل والحرية ورغد العيش، وكان عمرو يحب المصريين ويعرف لهم قدرهم، وظل عمرو بن العاص واليًا على مصر حتى عزله عنها عثمان ابن عفان -رضي الله عنه-، ثم توفي عثمان، وجاءت الفتنة الكبرى بين علي ومعاوية -رضي الله عنهما-، فوقف عمرو بن العاص بجانب معاوية، حتى صارت الخلافة إليه.
فعاد عمرو إلى مصر مرة ثانية، وظل أميرًا عليها حتى حضرته الوفاة، ومرض مرض الموت، فدخل عليه ابنه عبد الله -رضي الله عنه-، فوجده يبكي، فقال له: يا أبتاه! أما بشرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا؟ أما بشرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا؟ فأقبل بوجهه فقال: أني كنت على أطباق ثلاث (أحوال ثلاث) ، لقد رأيتني وما أحد أشد بغضًا ل رسول الله صلى الله عليه وسلم مني، ولا أحب إلى أن أكون قد استمكنت منه فقتلته، فلو مت على تلك الحال لكنت من أهل النار.
فلما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: ابسط يمينك فلأبايعك، فبسط يمينه، قال فقبضت يدي، فقال: (مالك يا عمرو؟) قال: قلت: أردت أن أشترط: قال: (تشترط بماذا؟) قلت: أن يغفر لي، قال: (أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله؟ وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها؟ وأن الحج يهدم ما كان قبله؟) ، وما كان أحد أحب إلى من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أجل في عيني منه، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالًا له، ولو سئلت أن أصفه ما أطقت؛ لأنني لم أكن أملأ عيني منه إجلالًا له، ولو مت على تلك الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنة.
ثم ولينا أشياء ما أدرى ما حالي فيها، فإذا أنا مت، فلا تصحبني نائحة ولا نار، فإذا دفنتموني فشنوا على التراب شنًّا، ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور (الوقت الذي تذبح فيه ناقة) ، ويقسم لحمها؛ حتى أستأنس بكم، وأنظر ماذا أراجع به رسل ربي) [مسلم] .
وتوفي عمرو -رضي الله عنه- سنة (43 هـ) ، وقد تجاوز عمره (90) عامًا، وقد روى عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم (39) حديثًا.