فقال له: لا والله لأَنْ أُقدَّم فتُضْرَبَ عنقي أحبُّ إليَّ مِنْ أنْ أَخْلَعَ قميصا قمَّصنيه اللهُ، وأتركَ أمةَ محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ يَعْدُو بعضُها على بعض، ويولِّي السفهاءُ مِن الناسِ مَنْ يختارونه هم، فيقع الهَرْجُ (أي: القتل وفساد الأحوال واختلالها) ، ويفسد الأمر.
"وأمَّا أنْ أُقِصَّ من نفسي، فوالله لقد علمتُ أن صاحِبَيَّ بين يديَّ (أبا بكر وعمر) قد كانا يعاقبان، وما يقوم بدني بالقصاص (لضعفه وكبر سنه) ."
ثم قال:"وأما أنْ تقتلوني؛ فوالله لئن قتلتموني لاتتحابُّون بعدي أبدًا، ولا تُصَلُّون جميعًا بعدي أبدًا، ولا تقاتِلون بعدي عدوًا جميعًا أبدًا. [1] "
وطلبوا منه أن يعزل نوابَه عن الأمصار ويولِّي عليها مَنْ يريدون هم ـ وإن لم يعزلْ نفسَه ـ وأن يسلِّم لهم مروانَ بن الحكم ليعاقبوه، وقد اتهموا مروان بأنه هو الذي زوَّر على عثمانَ الكتابَ المزعومَ إلى مصر. فخشِيَ عثمان أن يسلِّم إليهم مروان فيقتلوه، فيكون سببا في قتل امرئ مسلم بغير حق، وما فعل شيئا يستحق بسببه القتلَ.
وكيف يسلمه وقد قال صلى الله عليه وسلم {مَنْ أعَانَ عَلى دَمِ امْرئٍ مُسْلمٍ ولَوْ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ كُتِبَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ: آيِسٌ مِنْ رحْمَةِ اللهِ} أخرجه البيهقي في الشعب وغيره وهو صحيح لغيره
وأما تولية مَنْ يريدونه هم على الأمصار، فعاقِبَةُ ذلك أنْ يولِّي السفهاءُ من الناس مَنْ يختارونه هم، فيقع الهَرْجُ ويفسد الأمر بسبب ذلك.
وقال لهم فيما قال:"وأي شيء إليَّ من الأمر إنْ كنتُ كلما كرهتم أميرًا عزلتُه، وكلما رضيتم عنه ولَّيْتُه .."؟! [2]
فقام الأشترُ من عنده، وانطلق بردود عثمان إلى أصحابه من قادة الفتنة، وما هي إلا أيام حتى جاءوا لتنفيذ جريمتهم المشئومة.
ولقد دخل عليه ابن عمر، فقال [له عثمان] : انظر ما يقول هؤلاء، يقولون: اخلع نفسك أو نقتلك، قال له [ابن عمر] : أمخلد أنت في الدنيا؟ قال: لا، قال: هل يزيدون على أن يقتلوك؟ قال: لا. قال: هل يملكون لك جنة أو نارًا؟ قال: لا. قال: فلا تخلع قميص الله عنك، فتكون سنة، كلما كره قوم خليفتهم خلعوه أو قتلوه [3]
لم يستسلم عثمان لمطالب الثوار، ولم يسلّم لهم مصاير الإسلام، وأَبَى إلا أن يحفظ كرامة الدولة ومبادئ الحكم في الإسلام.
وطَّنَ أمير المؤمنين عثمان نفسَه على التضحية، وذلك هو ما يتفق مع طبيعة الأحداث، فلم يكن الثائرون على عثمان ممثِّلين للأمة لتجب عليه طاعتُهم وخَلْعُ نفسِه من الخلافة، ولم يكن زعماؤهم من السابقين إلى الإسلام، أو أهل الحَلّ والعَقْدِ الذين لهم حق الخلع والتأمير، بل كانوا جماعاتٍ من رجال القبائل الذين أنكروا
(1) - تاريخ الرسل والملوك - (ج 2 / ص 486)
(2) - البداية والنهاية لابن كثير مدقق - (ج 8 / ص 252)
(3) - أورد البلاذري هذا الخبر في أنساب الأشراف (5: 76) من حديث نافع عن ابن عمر