وقد حفظ معاوية وجندُه الشامَ - بفضل الله - وحمى سواحلَها من غارات الروم ومحاولاتهم لاستردادها، بل كان له في كل سنة غزوة في بلاد الروم في زمن الصيف تسمى الصائفة.
في فترة حكم الخلفاء الراشدين كانت الخلافة في المدينة مفزع الأمراء دائما إذا اعترضتهم مشكلة أو نابتهم نائبة، فكتب سعيد بن العاص إلى أمير المؤمنين عثمانَ يخبره باعتراضات أهل الكوفة وشغبهم بعد تنفيذ الوصايا التي أمر بها.
فلما جاء الكتاب إلى المدينة أمر عثمان مناديه أن ينادي في الناس: الصلاة جامعة، ليستشيرهم في هذا الأمر الغريب، فاجتمع إليه أهل المدينة، وأخذ يعرض عليهم الأمر من كتاب سعيد إليه يصف الوضع بالكوفة، ومقالة السوء التي شاعت ضده وضد ولاته.
كل هذا والناس تعجب مما تسمع، حتى فرغ عثمان من حديثه، فقالوا له:"أصبتَ يا أمير المؤمنين، فلا تسعفهم في ذلك، ولا تطمعهم فيما ليسوا له بأهل، فإنه إذا نهض في الأمور من ليس لها بأهل لم يحتملها وأفسدها".
فلما سمع منهم ذلك وموافقتهم له أوصاهم قائلا:"يا أهل المدينة استعدوا واستمسكوا، فقد دبت إليكم الفتن" [1] . ونزل من فوق منبر الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ مهموما، ثم أوى إلى منزله، وأخذ يفكر في كيفية علاج ذلك الخلل الاجتماعي، وبالفعل حاول العلاج، وكانت لهذه المحاولة نتائجها ـ وإن كان ذلك في إطار ضيق.
حاول عثمان رضي الله عنه علاج الخلل الاجتماعي الذي جرى في الكوفة، وعمل على محاصرته ليمنع استفحاله وامتداد أثره إلى مواضع أخرى من بلاد المسلمين، وذلك في إطار سياسته العامة القائمة على تقديم أهل السابقة والدين، فأراد أن يزيد عددهم في الكوفة، ويعزز أوضاعهم بها، ويوازن الاتجاه القَبَلِيَّ بها، فاقترح لذلك أن ينتقل من شاء من الصحابة إلى العراق، وأن يتخذوا بها معايش ثابتة؛ وذلك بأن يشتروا لهم أراضي هناك؛ إما بأموالهم السائلة أو باستبدال أرض من أهل العراق بما يمتلكون في الحجاز، فسُرَّ بذلك الصحابة، وفتح الله عليهم به أمرا لم يكن في حسابهم، ووجدوا فيه فرجا لهم، وسمح لهم بالانتشار في مناطق العالم الإسلامي.
وكان ذلك نقلة كبيرة عن سياسة الفاروق عمر رضي الله عنه الذي حجزهم بجواره لحاجته إليهم، ولتخوفه من تشعب الأمر بانقسام الناس حولهم إن جاوروهم بالأمصار، وخشي من فتنتهم بهم ... ومعنى ذلك أن بواعث الفتنة التي ظهرت بالعراق خاصة الكوفة، كانت تعود إلى أسباب اجتماعية وسياسية، وليس مجرد النقمة على ولاة عثمان رضي الله عنه، لأنه ولى أقاربه كما يظن الكثيرون!!!.
(1) - تاريخ الرسل والملوك - (ج 2 / ص 443)