فهرس الكتاب

الصفحة 157 من 366

وأشار معاوية على الخليفة بأن يرسل إليه من جنود الشام مَنْ يَحْميه، لكن عثمان خشي أن يضيّق على أهل المدينة معايشَهم وأرزاقَهم، فأبَى ذلك أيضا ..

فقال معاوية بعد أن فاض به الكيل: والله يا أمير المؤمنين، لتُغتَالَنَّ أو لتُغْزَيَنَّ!! فقال بثبات: حسبي الله ونعم الوكيل .. [1] فمضى معاوية إلى الشام بعد أنْ أوصى بخليفته جماعةً من كبار الصحابة ..

كأنهم كانوا على موعد، بل هم بكل تأكيد كانوا على موعد، أولئك هم الثائرون في مصر والكوفة والبصرة، إذْ لم يُعجِبْهم قرار الخليفة بالإبقاء على الوُلاة، فاتجهوا إلى المدينة ليعترضوا على عثمان نفسه، وفي نفوسهم ما فيها من البحث عن موضع قدم لهم ولأقوامهم، ومزاحمة قريش ورجالها في الحكم والسلطان ..

وجاءوا الحجاز في رجب من سنة خمس وثلاثين من الهجرة يُظهرون أنهم يريدون العمرةَ، وفي نيتهم مناظرةُ الخليفة ومناقشتُه لإثبات خَطَئِهِ ومجاوزته الحقَّ والصوابَ، وبالرغم من أن الخليفة يَدري أن هذه ليست هي الوجوه التي تأتي بخير، فإنه أذن لهم في الحوار معه ومناقشةِ ما عندهم، وأبدى رأيَه أمام جموع الصحابة وسكانِ أهل المدينة، وأقنعهم في جوٍّ من الحرية، ورد على كل شُبهاتهم. وبالرغم من طلبِ جماعةٍ من الصحابة معاقبةَ هؤلاء المتمردين وتأديبَهم، فإن الخليفة صَفَحَ عنهم، فرجعوا إلى بلادهم.

وأمام موقفه هذا، تبددت الموجة الأولى من الهجوم على المدينة، ولكن كان هذا الزحفُ الأولُ على عاصمة الخلافة نذيرًا بزحف آخر، وعاصفةٍ أشدَّ، تسرق من المسلمين الاستقرار والطمأنينةَ الاجتماعية العميقة التي حققها الإسلام لهم، وبادرةً لأعاصير أخرى مدمرة زاحفة.

(1) - تاريخ الرسل والملوك - (ج 2 / ص 472) والبداية والنهاية لابن كثير مدقق - (ج 8 / ص 234)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت