عثمانَ، وإن كانا قد بايعا عن رضا خَرَجَا من البصرة حتى يرى أميرُ المؤمنين رأيَه.
واتفقوا على أن يُبْقِيَ كلُّ فريقٍ على ما تحت يدِه حتى يعودَ الرسول، وأن ينزل طلحة والزبير ومَنْ معهما حيث شاءوا، وأن يصلي عثمان بن حنيف بالناس، وله أمر البصرة، ويبقى بيت المال تحت يده.
وذهب كعب بن ثور إلى المدينة رسولًا، فسأل أهلَها عن بيعة طلحة والزبير فلم يُجِبْهُ أحدٌ، ثم أجابه أسامةُ بن زيد بأنهما بايَعَا مُكْرَهَيْن، وكادت تحدث في المدينة حادثة لهذا الجواب؛ إذْ لا يريد الناس إلا إطفاء النار وإخمادَ جذوتها. وبلغ هذا الخبرُ أميرَ المؤمنين، فأرسل إلى عثمانَ بنِ حُنيف يقول له:"والله ما أُكْرِها إلا كَرْهًا على فُرقة (أي خوفا من الفرقة) ، ولقد أُكرِها على جماعة وفضل، فإن كانا يريدان الخَلْعَ فلا عذر لهما، وإن كانا يريدان غيرَ ذلك نَظَرْنَا ونَظَرَا".
رجع كعب بن ثور إلى البصرة بخبر بيْعة الزبير وطلحة لعليٍّ كَرْهًا، فاختلف القوم بالبصرة، وعاتب عليٌّ عاملَه على البصرة، وقال:"إنما طلحة والزبير لم يُجْبَرَا على البيعة إلا خوفًا من الفُرقة، ولقد أُكرِها على جماعةٍ وفضلٍ".
وقلَّ أنصارُ ابنِ حُنيف، وغضب عليه الغوغاء لسوء تصرفه، ووقع من عامة الناس من أهل البصرة كلام وضرب، فقُتل منهم نحوٌ من أربعين رجلًا، ودخل العامَّةُ على عثمان بن حنيف قصرَه فأخرجوه إلى طلحة والزبير ولم يبق في وجهه شعرةٌ إلا نتفوها تحقيرًا له، فاستعظما ذلك وأرسلا إلى عائشة أم المؤمنين بالذي كان، واستطلعا رأيَها، فأرسلت إليهما أنْ خَلُّوا سبيلَه؛ فليذهبْ حيث شاء، ولا تَحبِسُوه.
وبخروج عثمان بن حنيف من البصرة أصبحت تحت إِمْرَةِ الرَّكْبِ المكِّيِّ، فأخرجوا حرس عثمان من القصر ودخلوه، وصلى بالناس عبد الرحمن بن عتاب، وولَّوْا على بيت المال عبد الرحمن بن أبي بكر، وقسم طلحةُ والزبيرُ أموالَ بيت المال في الناس، وفضَّلوا أهل الطاعة، وأَكَبَّ عليهم الناسُ يأخذون أرزاقهم. وحان وقت الثأر ممن شارك في الثورة على عثمان من أهل البصرة، فنقمت لأجل ذلك القبائلُ التي قُتل أبناؤها. [1]
لما بلغ عليّا نبأُ سير الركب المكّي إلى البصرة غيَّر وجهتَه عن الشام إلى البصرة، فخرج إلى الرَّبَذَةِ مسرعا يريد أن يلحقَ بهم قبل أن يجتازوها، وليَحُولَ دون انطلاقِهم، واستخلفَ على المدينة سهلَ بنَ حُنَيْفٍ، وبَعَثَ قثمَ بن العباس إلى مكة.
ونصحه العديدُ من الصحابة بألا يخرجَ من المدينة، فإنه إنْ خرج منها فلنْ يعود إليها أبدًا، وطلبوا منه أن يُرسل مَنْ نَهَضَ ويمكثَ هو في دار الهجرة، ولكنه أصر على أن يكون على رأس الناهضين، وخرج من المدينة في نحو سبعمائة رجل جُلُّهم من الثائرين على عثمانَ، وأقلهم من أهل المدينة، وما شارك جمهورُ الصحابة في هذه الفتنة، بل اعتزلوا الأمر.
(1) - تاريخ الرسل والملوك - (ج 3 / ص 30 - 32)