فهرس الكتاب

الصفحة 245 من 366

دعاه عليّ وذكَّره بأعمالِه وسوابِقِه رَجع عن القتال، واعتزل في بعض الصفوف، فأتاه سهمٌ لا يُعرَف رامِيه، فأصاب رُكبتَه، وسالَ منه الدمُ غزيرًا، فلما رآه القعقاعُ بن عمرو قال له:"يا أبا محمد، إنك لجريح، وإنك عما تريد لَعَلِيلٌ، فادْخل البيوتَ"فدخل ودمُه يسيل وهو يقول:"اللهمَّ خُذْ لعثمان مِنِّي حتى يرضَى"؛ [1] فلما امتلأ خُفُّه دَمًا وثَقُلَ، قال لغلامه ارْدُفْني وأمْسِكْني وأبْلِغْنِي مكانا أنزل فيه، فدخل البصرة وهو يتمثّل مثله ومثل الزبير:

فإن تكن الحوادث أقدتني ... ... وأخطأهنّ سهمي حين أرمى

فقد ضيّعت حين تبعت سهمًا ... سفاهًا مّا سفهت وضلّ حلمي

ندمت ندامة الكسعيّ لمّا ... شريت رضا بني سهمٍ برغمي

أطعتهم بفرقة آل لأيٍ ... ... فألقوا للسّباع دمي ولحمي ... [2] .

و عن حكيم بن جابر، قال: قال طلحة يومئذ: اللهمّ أعط عثمان منّي حتى يرضى؛ فجاء سهم غرب وهو واقف، فخلّ ركبته بالسرج، وثبت حتى امتلأ موزجه دمًا، فلما ثقل قال لمولاه: اردفني وابغني مكانًا لا أعرف فيه، فلم أر كاليوم شيخًا أشيع دمًا مني. فركب مولاه وأمسكه وجعل يقول: قد لحقنا القوم، حتى انتهى به إلى دار من دور البصرة خربة، وأنزله في فيئها، فمات في تلك الخربة، ودفن رضي الله عنه في بني سعد .. [3]

أمر عليّ يوم الجمل بعدم الإجْهاز على جرحى أهل البصرة، وعدمِ تتبُّع الفارِّين، لكن قوما معه خالفوا أمره، فدَفع الديات لأولياء القتلى من بيت المال، وجمع في أرض المعركة ما يخص المنهزمين من الأمْتِعَةِ والأموال، ثم بعث به إلى مسجد البصرة، وقال: مَنْ عَرَف شيئا فليأخذْه، إلا سلاحا كان في الخزائن عليه سِمَةُ السلطان.

فعَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ: عَلِيٌّ: َلاَ تُتِمُّوا جَرِيحًا وََلاَ تَقْتُلُوا مُدْبِرًا وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ وَأَلْقَى سَِلاَحَهُ فَهُوَ آمِنٌ فَلَمْ يَكُنْ قِتَالُهُمْ إَلاَ تِلْكَ الْعَشِيَّةَ وَحْدَهَا، فَجَاءُوا بِالْغَدِ يُكَلِّمُونَ عَلِيًّا فِي الْغَنِيمَةِ فَقَوْلُ عَلِيٍّ هَذِهِ الآيَةُ، فَقَالَ: أَمَا إنَّ اللَّهَ يَقُولُ وَاعْلَمُوا أَنَمَّا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ أَيُّكُمْ لِعَائِشَةَفَقَالُوا: سُبْحَانَ اللهِ، أُمُّنَا، فَقَالَ: أَحَرَامٌ هِيَ، قَالَوا: نَعَمْ، قَالَ عَلِيٌّ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ مِنْ بَنَاتِهَا مَا يَحْرُمُ مِنْهَا، قَالَ: أَفَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ أَنْ يَعْتَدِدْنَ مِنْ الْقَتْلَى أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، قَالَوا: بَلَى، قَالَ: أَفَلَيْسَ لَهُنَّ الرُّبُعُ وَالثُمَّنُ مِنْ أَزْوَاجِهِنَّ، قَالَوا: بَلَى، قَالَ: ثُمَّ قَالَ: مَا بَالُ الْيَتَامَى َلاَ يَاخُذُونَ أَمْوَالَهُمْ، ثُمَّ قَالَ: يَا قَنْبَرُ، مَنْ عَرَفَ شَيْئًا فَلْيَاخُذْهُ، قَالَ زَيْدٌ: فَرَدَّ مَا كَانَ فِي الْعَسْكَرِ وَغَيْرِهِ، .... أخرجه ابن أبي شيبة وهو صحيح

(1) - تاريخ الإسلام للذهبي - (ج 1 / ص 455)

(2) - تاريخ الرسل والملوك - (ج 3 / ص 51)

(3) - تاريخ الرسل والملوك - (ج 3 / ص 60)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت