نَهَضَ معه من أهل البصرة، واستخلف على الكوفة أبا مسعود عقبة بن عامر البدري الأنصاري. [1]
لما فرغ علي من وقعة الجمل انتقل إلى الكوفة ليتخذَها عاصمةً لخلافته، وأرسل جريرَ بن عبد الله إلى معاوية يدعوه إلى الطاعة، وقد دخلت جميع الأقطار في بيعته عدا الشام، فامتنع معاوية عن البيعة، واشترط قَتْلَ مَنْ قتلوا عثمان أولا، أو تسليمَهم لإقامة الحَدِّ عليهم. كما ذكرنا من قبل
وقد كانت أفاعيلُ هؤلاء القَتَلة تثير الحرب وتبعثها من تحت الرماد.
ولم يبايعْ أهلُ الشام كذلك، وقاموا بنُصْرة معاوية مطالبين بالثأر من قَتَلَةِ عثمان، أو تسليمِهم لإقامة الحدّ عليهم.
ودارت الرسل بين الطرفين، ومعاوية وأهلُ الشام مُصرُّون على القصاص من قَتَلَةِ عثمان قبل البيْعة، فأخذ عليّ يجهز للخروج إليهم، ويحض أهل الكوفة على الاستعداد، فخرج معه كثيرون، وإن كان قُرَّاءُ القرآن من تلاميذ ابن مسعود أبَوْا الخروجَ وسجلوا صورة مضيئة للمؤمن وسط هذه الفتن المظلمة. وفي أثناء ذلك سبَّ بعضُ الناس أهل الشام، فنهاهم عليّ عن ذلك، وأمرهم أن يقولوا: اللهم احقنْ دماءَنا ودماءَهم، وأصلِحْ ذات بيننا وبينهم. [2]
وسار عليّ إلى صِفِّين، ولما علم معاوية بمسيره أسرع إلى هناك، وأقام الفريقان عدةَ أيامٍ يلتقون على الماء، ويسعى بعضُهم إلى بعض دون قتال، ولكنه الجدال والمناقشة.
ولم تُنْتِج المكاتباتُ والرسل نتيجةً، فلم يكن بُدٌّ من القتال، وأخذ علي يُعِدّ جيشه ويُوصِي جنودَه، وكذلك استعد معاوية، وبدأ القتال بين الفريقين، بعدما اجتهد كلاهما ليُصيبَ الحقَّ. وكأنما كان قتالا على اسْتحياءٍ من الطرفين؛ فتتقدم فرقة من هذا الجيش إلى فرقة من الجيش الآخر وتقع مناوشات صغيرة .. واستمر ذلك شهر ذي الحجة، ودخل شهر المحرم فتوقف القتال، وكانت الهُدْنَةُ لعل اللهَ يصلح بينهما على أمر يكون فيه حقنُ دماء المسلمين.
وكثرت السفراء بين الفريقين، وسَعى أبو الدرداء وأبو أُمامة للصلح بينهما، كما قام جماعةٌ من القُرَّاء بمحاولاتٍ للصلح بين الطرفين، ولكن دون جدوى، فاصْطَفُّوا للحرب في شهر صفر، واسْتُؤْنِفَ القتال، ولم يَغْلِبْ أحدٌ أحدًا، وظلوا أياما في حرب بلا حسم، فرأى الطرفان أنه لابد من مواجهة شاملة بين الجيشين لحسم المعركة.
ودارت رَحَى الحرب بينهم، فتقاتل الفُرْسان، وتبارز الشجعان، وقُتل خلق كثير من الأعيان من الفريقين، مثل: عبيد الله بن عمر وذي الكَلاع من الشاميين، وعمار بن ياسر وهاشم بن عتبة من أصحاب عليّ، وطارت أَكُفٌّ ومَعَاصِمُ ورءوسٌ عن أجسادها، فظهرت لذلك بوادر الصلح بين الفريقين قبل رفع المصاحف على أسِنَّةِ الرماح.
(1) - البداية والنهاية لابن كثير مدقق - (ج 8 / ص 366)
(2) - تاريخ الرسل والملوك - (ج 3 / ص 320)