فهرس الكتاب

الصفحة 112 من 366

ولما ولي عثمان أقره عليها، فظل أبو موسى الأشعري واليا عليها سنوات، ثم عاد أهل البصرة فاتهموا أبا موسى وشكوه إلى عثمان، وقالوا: قد أكل أرضنا، وأحيا أمر الجاهلية فينا، فعزله عثمان سنة تسع وعشرين للهجرة.

واستعمل عثمان على البصرة عبد الله بن عامر بن كُرَيز، وهو ابن خمس وعشرين سنة، فكان فيهم حسن السيرة، مجاهدا ميمون النقيبة، ولم يزل واليا عليها حتى قتل عثمان، وقد حقق أعظم الإنجازات، فوصلت الفتوحات على يديه إلى أقصى المشارق، وانتهت بتقويض ملك الإمبراطورية المجوسية ومقتل يَزْدَجِرْد الثالث آخر ملوكهم.

إنجازات عبد الله بن عامر[1]

ها هي روح شابة تنال ثقة أمير المؤمنين عثمان، فيدفع بها إلى الصفوف الأولى من تحمّل المسؤولية، فيتولى عبد الله بن عامر أمر المواجهة مع فارس وأمر إدارة شؤون البصرة ذات الموضع الاجتماعي المعقّد. وكم كانت كفاية عبد الله وقدراته تنمّ عن موهبة فذّة في الإدارة والجندية، وإنجازاته البارزة تثبت ذلك، فقد فتح خراسان كلها، وأطراف فارس وسِجِسْتان وكَرمان حتى بلغ غَزْنة، وفي عهده قُتل

(1) - هو عبشمي الآباء، هاشمي الخئولة. فإن. . . أروى بنت كريز أمها البيضاء بنت عبد المطلب بن هاشم عمة النبي صلى الله عليه وسلم. ولما ولد أتي به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لبني عبد شمس: «هذا أشبه بنا منه بكم» ثم تفل في فيه فازدرده، فقال صلى الله عليه وسلم: «أرجو أن يكون مسقيا» فكان لا يعالج أرضا إلا ظهر منها الماء ونشأ سخيا كريما شجاعا ميمون النقيبة كثير المناقب. افتتح خراسان كلها، وأطراف فارس، وسجستان، وكرمان حتى بلغ أعمال غزنة، وقضى على يزدجرد بن شهريار آخر ملوك الفرس. ويعتقد الإيرانيون أن سلسلة ملوكهم بدأت بآدمهم الذي يسمونه (جيومرث) فلم يزل ملك أولاده منتظما على سياق إلى أن كان القضاء الأخير عليه بسلطان الإسلام في خلافة أمير المؤمنين عثمان بجهاد هذا العبشمي الآباء الهاشمي الخئولة عبد الله بن عامر بن كريز. وهي حرقة في قلوب أهل النزعة المجوسية على الإسلام، وعلى عثمان، وابن كريز، فهم يحقدون على هؤلاء ويحاربونهم إلى اليوم بسلاح الكذب، والبغض والدسائس، وسيستمر ذلك إلى يوم القيامة. أما صادقو الإسلام ممن أنجبت إيران أيام كانت شافعية المذهب، ولما كان ينبغ منها علماء السنة المحمدية قبل ذلك، وفيهم كبار الأئمة والمحدثون والفقهاء، فقد نزهوا قلوبهم عن أن يكون فيها غل للذين آمنوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم حتى فتح الله الأقطار على أيديهم، وهدى الأمم بسببهم، فهم يحبونهم ويجلونهم على أقدارهم. ونحن لا ندعي العصمة لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونتوقع الخطأ من كل إنسان، صحابيا كان أو من التابعين أو الذين يتبعونهم بإحسان. ولكن الذين ملأوا الدنيا بالحسنات كأنها كالجبال، فإن الذي يعمى عنها، ويدس أنفه في مرمى القاذورات ليستخرج منها ما يذم العظماء به، وإن لم يجد يختلق ويكذب، فإن من كرامة المسلم على نفسه أن يترفع عن الإصغاء لأمثال هؤلاء والانخداع لهم. ودع عنك فتوح عبد الله بن عامر بن كريز التي وصلت إلى أقصى المشارق، وتقويضه آخر أمل للإمبراطورية المجوسية، فإن حسناته الإنسانية أيضا جديرة بالتسجيل، قال ابن كثير في البداية والنهاية (8: 88) : إنه «أول من اتخذ الحياض بعرفة لحجاج بيت الله الحرام وأجرى إليها الماء المعين» . وقال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة (3: 189 - 190) : «إن له من الحسنات والمحبة في قلوب الناس ما لا ينكر» . ومثل هؤلاء الرجال لو كانوا من سلف الإنكليز أو الفرنيسين لخلدوا عظمتهم في كتب الدراسة والثقافة والتهذيب، فتهافتت وزارات معارفنا على نقل ذلك من كتبهم إلى كتبنا المدرسية، ليؤمن جيلنا بعظمة أسلاف المستعمرين. أما عظمة أسلافنا نحن فقد سلط الشيطان عليها قلوبا فاسدة تفيض بالسوء، وصدَّق أكاذيبها الأكثرون منا، فأمسينا كالأمة التي لا مجد لها، بينما هي نائمة على تراث من المجد لا تحلم الإنسانية بمثله.

هامش العواصم من القواصم في تحقيق مواقف الصحابة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم - (ج 1 / ص 92)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت