فهرس الكتاب

الصفحة 85 من 366

لقد حرك تفضيل أهل السابقة من المهاجرين والأنصار في العطاء كما فعل عمر، واختصاص قريش بالإمارة كما في عهد عثمان رضي الله عنه حرك ذلك كوامنَ الحقد والحسد في قلوب ضعاف الإيمان، وجعل القبائل تَغَصُّ من قريش ومكانتها، وتشكو من نفوذها، فالقبائل بنزعتها البدوية التى تكره الحكم المركزي لم ترض يوما عن سيادة قريش، ندرك ذلك في فلتات الألسن وخفايا الأنفس، فها هو رجل من عبد القيس يقول للزبير بن العوام في البصرة:"يا معاشر المهاجرين، أنتم أول من أجاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكان لكم بذلك فضل، ثم دخل الناس في الإسلام كما دخلتم، فلما توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بايعتم رجلا منكم، والله ما استأمرتمونا في شيء من ذلك، فرضينا واتبعناكم، فجعل الله - عز وجل - في إمارته بركة، ثم مات رضي الله عنه - واستخلف عليكم رجلا منكم، فلم تشاورونا في ذلك فرضينا وسلّمنا، فلما توفي الأمير جعل الأمر إلى ستة نفر، فاخترتم عثمان، وبايعتموه من غير مشورة منا .. تاريخ الطبري"

يعني الدخولُ في الإسلام أن يلقيَ الداخلُ على عتبة بابه كلَّ ميراث الجاهلية الجائر، ولا يأخذَ من تجربته السابقة إلا ما يتناسق مع الدين ويتناسب مع الفطرة، وقد حدث هذا مع الصحابة تماما، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقاوم روح الجاهلية بقوة وشدة، ويرسّخ في نفوس أتباعه كراهية هذه الروح ومقاومتها.

ومع كل هذا فقد دخل في الإسلام أقوامُ لم يتخلصوا من الميراث الجاهلي، فانبنت تصرفاتهم في الإسلام كما في الجاهلية - على العصبية العمياء والسعي وراء الفتنة وإثارة الخلافات .. فهذا يتعصب لقومه وذاك لموطنه، وذلك يمتدح بلاء قومه وأهله في الفتوح ويلوم الآخرين لأنهم لم يحققوا مثل إنجازهم، وكأنهم صنعوا النصر وحدهم!

إن الذي يسير في الحياة بهذه الروح قد يعمى عن كثير من الحق، وقد لا يكون سيره في طريقٍ ما إلا اندفاعا وراء تعصبه، ولن يتأخر عن التضحية بأمن الأمة كلها وسلامتها إذا وجد سبيلا لمناصرة من يتعصّب له. وقد كان هذا هو شأن من تعصبوا للزبير وطلحة في حياة عثمان رضي الله عنهم فحلت عصبية القبائل وأهل الأمصار لهؤلاء النفر من الصحابة محل عصبيتهم لأقوامهم؛ إذ رجوا أن يجدوا نفعا من وراء ذلك.

وفي الجهة الأخرى كانت القوى القديمة في البلاد المفتوحة قد تحطمت أمام جيوش الإسلام، ومع أنهم ظلوا مندهشين مما لحقهم من الهزيمة، إذ أشبه ما جرى لهم حلما سريعا في ليلة صائفة!! مع ذلك فإن المستفيدين من سلطة الروم والفرس الزائلة كانوا يتمنون لو سنحت لهم فرصة للثأر، لذلك استغلوا اسشهاد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقاموا بمحاولات حربية لاسترداد بعض ما سُلب منهم، لكنهم فشلوا تماما، وكان متوقَّعا إزاء ذلك أن يتحولوا إلى المؤامرات والدسائس، التي كان لها دور واضح في بعض الأحداث التي تلت عصر الخلفاء الراشدين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت