فهرس الكتاب

الصفحة 320 من 366

اشتداد أمر معاوية رضي الله عنه[1]

بلغ عليا رضي الله عنه مقتلُ محمد بن أبي بكر، وما انتهى إليه الأمر بمصر، وسيطرة عمرو بن العاص عليها، وتسليم الناس على معاوية بالخلافة، فقام علي في الناس خطيبًا فحضّهم على الجهاد والصبر والمسير إلى أعدائهم من الشاميين والمصريين، فلم يُجيبوه، وانتهى أمر العراقيين إلى الخروج على عليٍّ ومخالفته فيما يأمرهم به وينهاهم عنه، حتى طمع أهل فارس ومنعوا الخراج.

وبعد أن تم لمعاوية أمرُ مصرَ سيَّرَ إلى البصرة عبدَ الله بن الحضرميّ، فاجتمع إليه جمعٌ كثير ممن يطلب بثأر سيدنا عثمان ومن نُكِبَ في الجمل، ولم يصل معاوية بهذه المحاولة إلى نتائج مرضية له، فبدأ يجهز جيشه ليفرقه في الأنحاء الخاضعة لعليٍّ، خاصة بعدما رأى من عصيان جيوش أهل العراق لعلي، وصار معاوية يرى أنه أوْلَى بأمر المسلمين من عليٍّ، فبعث في سنة تسع وثلاثين النعمانَ بن بشير في ألفَيْ فارس إلى عين التمر، فانهزموا ولم يحققوا شيئا، وبعث ستة آلاف إلى هِيت، فلم يجد بها أحدا، فسار إلى الأنبار فأغار عليها واحتمل ما كان بها من أموال ثم عاد، كما بعث عبدَ الله بن مسعدة الفزاري في ألف وسبعمائة فارس إلى تَيْمَاء، فانهزموا أمام جيش عليٍّ وفروا هربا إلى الشام، وصارت السرايا بعد ذلك تتردد بين الجبهتين وكلٌّ يريد كَسْبَ أنصار له رغبة في إغلاق الباب في وجه الصراعات الطاحنة، حتى سيَّر معاوية إلى مكة أميرًا على الموسم، ولكن الناس اختاروا غيره أميرًا للحج، فأَمَّهم وقضيت المناسك في سلام.

كما سير معاوية إلى اليمن والحجاز بسر بن أرْطَأة، فاستطاع أن يُدخِل اليمن في طاعته، وأَرسَلَ عليٌّ سريةً ردَّتْه عن الحجاز، وأصبحت دولة معاوية تتسع بمرور الوقت، في الوقت الذي تضيق فيه دولة عليٍّ.

وانتهى الأمر بأنْ جَرَتْ بينهما مهادنة بعد مفاوضات طويلة على وضْع الحرب بينهما، وكفِّ السيف عن هذه الأمة حقنا لدماء المسلمين، على أن يكون لعليٍّ العراق وبلاد فارس، ولمعاوية الشام، فلا يدخل أحدهما على صاحبه فيما تحت يده بجيش ولا غارة، وتراضيا على ذلك.

ولكن العراق كله كانت تضطرم فيه نار الخلاف والشقاق؛ ففريق هم شيعة عليّ، وآخرون خوارجُ لا يريدون عليا ولا معاوية، وفريق منافق يُظهر طاعة عليّ ويُخفى عداءه، فمَلَّهم أميرُ المؤمنين وسئِم إمارتَه عليهم، حتى خاطبهم بذلك في كثير من خطبه، وتمنّى أن يستريح منهم بلقاء الله تعالى،

عن جندب، قال: ازدحموا على علي، حتى وطئوا على رجله قال: «اللهم إني مللتهم وملوني، وأبغضتهم وأبغضوني، فأرحني منهم وأرحهم مني» أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد وهو صحيح

و عن أبى صالح الحنفى قال: رأيت على بن أبى طالب أخذ المصحف فوضعه على رأسه ثم قال اللهم إنهم منعونى ما فيه فأعطنى ما فيه ثم قال اللهم إنى قد مللتهم وملونى وأبغضتهم وأبغضونى وحملونى على غير طبيعتى وخلقى وأخلاق لم تكن

(1) - تاريخ الرسل والملوك - (ج 3 / ص 143) والبداية والنهاية لابن كثير مدقق - (ج 8 / ص 469)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت