فهرس الكتاب

الصفحة 192 من 366

وقد نال المكانة البارزة في دنيا الأشقياء هؤلاء الذين امتدَّتْ أيديهم إلى الخليفة الراشد عثمانَ بن عفان ـ رضي الله عنه ـ فقتلوه؛ إذْ أضاعوا على الأمة خيرا كثيرا كانت تَجْنِيهِ في ظلال الخلافة الراشدة، وأوقعوا الشر في صفوفها بسبب هذا الدم الحرام الذي سفكوه ..

لقد دخلوا عليه الدار جماعةً، وتمالئوا عليه؛ فمِنْهم مَنْ يضربه بنَصْل سيفِه، ومنهم مَنْ يلكزُه، وجاءه رجلٌ بمشاقِص (نصل عريض، أو سهم يُرمى به الوحش عند الصيد) ، فضربه في تَرْقُوَتِه، فسالَ الدَّمُ على المصحف، وهُمْ في ذلك يهابون قَتْلَه. وكان عثمان ـ رضي الله عنه ـ شيخا كبيرًا، فغُشِيَ عليه.

ودخل آخرون، فلما رأوه مَغْشِيًّا عليه جَرُّوا بِرِجْلِه، فصاحتْ زوجته نائلةُ، وبناتُه، وجاء كِنانةُ بنُ بِشْرٍ التُّجِيبِيُّ [1] مخترطا سيفَه ليضعَه في بطنه، ففادتْه نائلةُ، فقطَع يدَها، واتَّكأ بالسيف على صدر الخليفة الشهيد.

عن ابن عون: أن كنانة بن بشر ضرب جبينه ومقدم رأسه بعمود حديد، فخر لجنبيه، وضربه سودان بن حمران المرادي بعد ما خر لجنبه فقتله، وأما عمرو بن الحمق فوثب على عثمان فجلس على صدره، وبه رمق، فطعنه تسع طعنات، وقال: أما ثلاث منهن فلله، وست لما كان في صدري عليه. أخرجه ابن عساكر

عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسيِّبِ، أَنَّ عُمرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَتَلَ نَفَرًا خَمْسةً أَوْ سَبْعَةً بِرَجُلٍ وَاحِدٍ، قَتَلُوهُ قَتْلَ غِيلَهٍ، وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: لَوْ تَمَالأَ عَلَيْهِ أَهْلُ صَنْعَاءُ لَقَتَلْتُهُمْ جَمِيعًا أخرجه البخاري مختصرا والبغوي بطوله [2]

(1) - هو كنانة بن بشر بن عتاب التجيبي قائد إحدى الفرق المصرية الأربع وكان قبل ذلك أحد الذين التفوا بعمار بن ياسر في الفسطاط ليجعلوه سبئيًا، وهو أول داخل إلى دار عثمان بالشعلة من النفط ليحرق باب الدار، وهو الذي اخترط السيف ليضعه في بطن أمير المؤمنين، فوقته زوجته نائلة فقطع يدها واتكأ بالسيف عليه في صدره، وكانت عاقبة التجيبي القتل مخذولًا في المعركة التي نشبت في مصر بين محمد بن أبي بكر وعمرو بن العاص سنة 38.

(2) - وفي فتح الباري لابن حجر - (ج 19 / ص 346)

قَوْله (بَاب إِذَا أَصَابَ قَوْم مِنْ رَجُل هَلْ يُعَاقَب؟) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَة"يُعَاقَبُونَ"بِصِيغَةِ الْجَمْع، وَفِي أُخْرَى بِحَذْفِ النُّون وَهِيَ لُغَة ضَعِيفَة. وَقَوْله"أَوْ يُقْتَصّ مِنْهُمْ كُلّهمْ"أَيْ إِذَا قَتَلَ أَوْ جَرَحَ جَمَاعَةٌ شَخْصًا وَاحِدًا هَلْ يَجِب الْقِصَاص عَلَى الْجَمِيع أَوْ يَتَعَيَّن وَاحِدًا لِيُقْتَصّ مِنْهُ وَيُؤْخَذ مِنْ الْبَاقِينَ الدِّيَة، فَالْمُرَاد بِالْمُعَاقَبَةِ هُنَا الْمُكَافَأَة، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّف أَشَارَ إِلَى قَوْل اِبْن سِيرِينَ فِيمَنْ قَتَلَهُ اِثْنَانِ يُقْتَل أَحَدُهُمَا وَيُؤْخَذ مِنْ الْآخَر الدِّيَةُ، فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ وُزِّعَتْ عَلَيْهِمْ بَقِيَّة الدِّيَة كَمَا لَوْ قَتَلَهُ عَشَرَة فَقُتِلَ وَاحِد أُخِذَ مِنْ التِّسْعَة تُسْع الدِّيَة، وَعَنْ الشَّعْبِيّ يَقْتُل الْوَلِيّ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا أَوْ مِنْهُمْ إِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ وَاحِد وَيَعْفُو عَمَّنْ بَقِيَ، وَعَنْ بَعْض السَّلَف يَسْقُط الْقَوَد وَيَتَعَيَّن الدِّيَة حُكِيَ عَنْ رَبِيعَة وَأَهْل الظَّاهِر، وَقَالَ اِبْن بَطَّال: جَاءَ عَنْ مُعَاوِيَة وَابْن الزُّبَيْر وَالزَّهْرِيّ مِثْل قَوْل اِبْن سِيرِينَ وَحُجَّة الْجُمْهُور أَنَّ النَّفْس لَا تَتَبَعَّض فَلَا يَكُون زَهُوقهَا بِفِعْلِ بَعْض دُون بَعْض وَكَانَ كُلٌّ مِنْهُمْ قَاتِلًا، وَمِثْله لَوْ اِشْتَرَكُوا فِي رَفْع حَجَر عَلَى رَجُل فَقَتَلَهُ كَانَ كُلّ وَاحِد مِنْهُمْ رَفَعَ، بِخِلَافِ مَا لَوْ اِشْتَرَكُوا فِي أَكْل رَغِيف فَإِنَّ الرَّغِيف يَتَبَعَّض حِسًّا وَمَعْنًى

وفي المنتقى - شرح الموطأ - (ج 4 / ص 241)

1368 - (ش) : قَوْلُهُ إِنَّ عُمَرَ قَتَلَ جَمَاعَةً بِرَجُلٍ قَتَلُوهُ قَتْلَ غِيلَةٍ فِيهِ بَابَانِ أَحَدُهُمَا فِي قَتْلِ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ وَالثَّانِي فِي مَعْنَى الْغِيلَةِ.

(الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي قَتْلِ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ) فَأَمَّا قَتْلُ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ يَجْتَمِعُونَ فِي قَتْلِهِ فَإِنَّهُمْ يُقْتَلُونَ بِهِ، وَعَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ، وَبِهِ قَالَ عُمَرُ وَعَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَغَيْرُهُمْ، وَعَلَيْهِ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ إِلَّا مَا يُرْوَى عَنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا يَقُولُهُ خَبَرُ عُمَرَ هَذَا، وَصَارَتْ قَضَيَّتُهُ بِذَلِكَ، وَلَمْ يُعْلَمْ لَهُ مُخَالِفٌ فَثَبَتَ أَنَّهُ إجْمَاعٌ، وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا حَدٌّ وَجَبَ لِلْوَاحِدِ عَلَى الْوَاحِدِ فَوَجَبَ لِلْوَاحِدِ عَلَى الْجَمَاعَةِ كَحَدِّ الْقَذْفِ.

(مَسْأَلَةٌ) قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْمَجْمُوعَةِ يُقْتَلُ الرَّجُلَانِ وَأَكْثَرُ بِالرَّجُلِ الْحُرِّ، وَالنِّسَاءُ بِالْمَرْأَةِ وَالْإِمَاءُ وَالْعَبِيدُ كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَإِنْ اجْتَمَعَ نَفَرٌ عَلَى قَتْلِ امْرَأَةٍ أَوْ صَبِيٍّ قُتِلُوا بِهِ.

(فَرْعٌ) وَهَذَا إِذَا اجْتَمَعَ النَّفَرُ عَلَى ضَرْبِهِ يَضْرِبُونَهُ حَتَّى يَمُوتَ تَحْتَ أَيْدِيهِمْ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ يُقْتَلُونَ بِهِ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي النَّفَرِ يَجْتَمِعُونَ عَلَى ضَرْبِ رَجُلٍ، ثُمَّ يَنْكَشِفُونَ عَنْهُ، وَقَدْ مَاتَ فَإِنَّهُمْ يُقْتَلُونَ بِهِ، وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ، وَعَلِيُّ بْنُ زِيَادِ عَنْ مَالِكٍ إِنْ ضَرَبَهُ هَذَا بِسِلَاحٍ، وَهَذَا بِعَصًا، وَتَمَادَوْا عَلَيْهِ حَتَّى مَاتَ قُتِلُوا بِهِ إِلَّا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ ضَرْبَ بَعْضِهِمْ قَتَلَهُ.

(مَسْأَلَةٌ) وَإِذَا اشْتَرَكَ فِي قَتْلِ عَبْدِهِمْ حُرٌّ وَعَبْدٌ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ، وَالْمَجْمُوعَةِ عَنْ مَالِكٍ يُقْتَلُ الْعَبْدُ، وَعَلَى الْحُرِّ نِصْفُ قِيمَتِهِ، وَإِذَا قَتَلَهُ صَغِيرٌ وَكَبِيرٌ قُتِلَ الْكَبِيرُ وَعَلَى عَاقِلَةِ الصَّغِيرِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ اخْتَلَفَ فِيهَا قَوْلُهُ فَمَرَّةً قَالَ هَذَا، وَمَرَّةً قَالَ إِنْ كَانَتْ ضَرْبَةُ الصَّغِيرِ عَمْدًا قُتِلَ الْكَبِيرُ، وَإِنْ كَانَتْ خَطَأً لَمْ يُقْتَلْ، وَعَلَيْهِمَا الدِّيَةُ قَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ يُقْتَلُ الْكَبِيرُ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ، وَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ قَالَهُ أَشْهَبُ، وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ عَمْدِ الصَّبِيِّ وَخَطَئِهِ فَقَدْ أَخْطَأَ، وَحُجَّتُهُ أَنَّهُ لَا يَدْرِي مِنْ أَيِّهِمَا مَاتَ، وَكَذَلِكَ فِي عَمْدِ الصَّبِيِّ لَا يَدْرِي مِنْ أَيِّهِمَا مَاتَ، وَهُوَ يَرَى عَمْدَهُ كَالْخَطَإِ.

(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِذَلِكَ وَجَبَ عَلَى الصَّغِيرِ حِصَّتُهُ مِنْ الدِّيَةِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ مَا يَقَعُ مِنْ الدِّيَةِ عَلَى الصَّغِيرِ فِي مَالِهِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ عَلَيْهِ مَا يَقَعُ عَلَى الْعَاقِلَةِ إِذَا كَانَ الْقَتْلُ كُلُّهُ خَطَأً، وَهَذَا ظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَالَ أَشْهَبُ ذَلِكَ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَإِنْ قَلَّ ذَلِكَ، وَأَمَّا إِذَا اشْتَرَكَ الْعَامِدُ وَالْمُخْطِئُ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يُقْتَلُ الْعَامِدُ إِذَا شَارَكَهُ الْمُخْطِئُ، وَقَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ لَوْ أَنَّ قَوْمًا فِي قِتَالِ الْعَدُوِّ ضَرَبُوا مُسْلِمًا فَقَتَلُوهُ مِنْهُمْ مَنْ ظَنَّهُ مِنْ الْعَدُوِّ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَعَمَّدَهُ لِعَدَاوَةٍ، وَقُتِلَ بِهِ الْمُتَعَمِّدُ، وَعَلَى الْآخَرِينَ مَا يُصِيبُهُمْ مِنْ الدِّيَةِ.

(الْبَابُ الثَّانِي فِي قَتْلِ الْغِيلَةِ) أَصْحَابُنَا يُورِدُوهُ عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا الْقَتْلُ عَلَى وَجْهِ التَّحَيُّلِ وَالْخَدِيعَةِ، وَالثَّانِي عَلَى وَجْهِ الْقَصْدِ الَّذِي لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْخَطَأُ فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ قَتْلُ الْغِيلَةِ مِنْ الْمُحَارَبَةِ إِلَّا أَنْ يَغْتَالَ رَجُلًا أَوْ صَبِيًّا فَيَخْدَعَهُ حَتَّى يُدْخِلَهُ مَوْضِعًا فَيَاخُذَ مَا مَعَهُ فَهُوَ كَالْمُحَارَبَةِ فَهَذَا بَيِّنٌ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.

(ش) : قَوْلُهُ: الْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّهُ يُقْتَلُ فِي الْعَمْدِ الرِّجَالُ الْأَحْرَارُ بِالرَّجُلِ الْحُرِّ الْوَاحِدِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَتْلِ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ إِذَا تَكَافَئُوا فِي الْحُرْمَةِ، وَكَذَلِكَ النِّسَاءُ بِالْمَرْأَةِ وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ النِّسَاءُ بِالرَّجُلِ وَلَا الرِّجَالُ بِالْمَرْأَةِ بَلْ حُكْمُ ذَلِكَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، فَإِنَّ مَنْ قَتَلَ وَاحِدَهُمْ بِوَاحِدٍ قُتِلَ جَمِيعُهُمْ بِهِ، وَلَمَّا كَانَتْ الْمَرْأَةُ تُقْتَلُ بِالرَّجُلِ قُتِلَ النِّسَاءُ بِالرَّجُلِ، وَلَمَّا كَانَ الرَّجُلُ يُقْتَلُ بِالْمَرْأَةِ فَكَذَلِكَ تُقْتَلُ جَمَاعَةُ الرِّجَالِ بِالْمَرْأَةِ، وَحُكْمُ الْعَبِيدِ كَذَلِكَ يُقْتَلُ الْعَبِيدُ بِالْعَبْدِ، وَيُقْتَلُ الْعَبْدُ بِالْحُرِّ وَلَا يُقْتَلُ الْأَحْرَارُ بِالْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْتَلُ الْحُرُّ بِالْعَبْدِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت