فهرس الكتاب

الصفحة 328 من 366

من كل جانب، فلم أبرح حتى أخذ ابن ملجم، وأدخل على علي، فدخلت فيمن دخل من الناس، فسمعت عليا يقول:» النفس بالنفس، إن هلكت فاقتلوه كما قتلني، وإن بقيت رأيت فيه رأيي «قال: وقد كان علي نهى الحسن عن المثلة (3) ، وقال: يا بني عبد المطلب، لا ألفينكم تخوضون دماء المسلمين، تقولون:» قتل أمير المؤمنين، ألا لا يقتلن بي إلا قاتلي، انظر يا حسن، إن أنا مت من ضربته هذه فاضربه ضربة، ولا تمثل بالرجل «فلما قبض علي رضوان الله عليه، بعث الحسن إلى ابن ملجم، فقال للحسن:» هل لك في خصلة (4) ؟ إني والله ما أعطيت عهدا إلا وفيت به، إني كنت أعطيت الله عهدا عند الحطيم أن أقتل عليا ومعاوية، أو أموت دونهما، فإن شئت خليت بيني وبينه، ولك والله علي إن لم أقتله أو قتلته ثم بقيت، أن آتيك حتى أضع يدي في يدك، فقال له الحسن: «أما والله حتى تعاين النار فلا، ثم قدمه فقتله، ثم أخذه الناس فأدرجوه في بوار، ثم أحرقوه بالنار»

(1) المصر: البلد أو القرية

(2) الغداة: الصبح

(3) المُثْلة: جدع الأطراف أو قطعها أو تشويه الجسد تنكيلا، وقد تطلق على النذر بما يرهق النفس أو يشوهها

(4) الخصلة: خلق في الإنسان يكون فضيلة أو رذيلة [1]

و عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، قَالَ: دَعَاهُمْ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى الْبَيْعَةِ، فَجَاءَ فِيهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بن مُلْجَمٍ، وَقَدْ كَانَ رَآهُ قَبْلَ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: مَا يُحْبَسُ أَشْقَاهَا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيَخْضِبَنَّ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ، وَتَمَثَّلَ بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ: اشُدُدْ حَيَازِيمَكَ لِلْمَوْتِ فَإِنَّ الْمَوْتَ آتِيَكَ وَلا تَجْزَعْ مِنَ الْمَوْتِ إِذَا حَلَّ بِوَادِيكَ. [2]

و عن أبي جعفر، أن «الحسن بن علي رضي الله عنهما قتل ابن ملجم بعلي رضي الله عنه، قال أبو يوسف: وكان لعلي أولاد صغار» قال أحمد: يشبه أن يكون الحسن بن علي رضي الله عنهما وقف على استحلال عبد الرحمن بن ملجم قتل أبيه فقتله لأجل ذلك، واستدل بعض من قال ذلك من أصحابنا بما روينا عن أبي سنان الدؤلي أنه عاد عليا في شكوى له، قال: فقلت له: لقد تخوفنا عليك يا أمير المؤمنين؟ فقال: لكني والله ما تخوفت لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم الصادق المصدوق يقول: «إنك ستضرب ضربة ها هنا وضربة ها هنا» وأشار إلى صدغيه «فيسيل دمها حتى تخضب لحيتك، ويكون صاحبها أشقاها كما كان عاقر الناقة أشقى ثمود» ، قلت: ويحتمل أن يكون رآه من الساعين في الأرض بالفساد، فقتله لذلك لا بولاية القصاص، والله أعلم [3]

(1) - تهذيب الآثار للطبري - (ج 4 / ص 79) و تاريخ الرسل والملوك - (ج 3 / ص 149)

(2) - أخرجه الطبراني في الكبير برقم (167) وهو صحيح ومعرفة الصحابة برقم (314)

(3) - معرفة السنن والآثار للبيهقي - (ج 13 / ص 185) برقم (5093)

وفي مشكل الآثار للطحاوي - (ج 2 / ص 305)

باب بيان مشكل ما روي عنه عليه السلام في قوله: «أقرؤهم، يعني أمته لكتاب الله أبي بن كعب، وأفرضهم زيد، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل»

686 -حدثنا ابن مرزوق، حدثنا عفان، حدثنا وهيب بن خالد، حدثنا خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أنس عن النبي عليه السلام قال: «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب، وأفرضهم (1) زيد بن ثابت، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، ألا وإن لكل أمة أمينا ألا وإن أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح» حدثنا أبو أمية، حدثنا قبيصة بن عقبة، حدثنا سفيان، عن خالد الحذاء، وعاصم، عن أبي قلابة، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر مثله غير أنه لم يذكر في حديثه: «وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب» حدثنا أبو أمية، حدثنا خلف بن الوليد العتكي، حدثنا الأشجعي، ثنا سفيان، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أنس، عن النبي عليه السلام مثله غير أنه قال: «وأفرضها زيد، وأعلمها بالحلال والحرام معاذ» فسأل سائل عن المراد بما ذكر به كل واحد من أبي، وزيد، ومعاذ في هذا الحديث، وهل يوجب ذلك له أن يكون في معناه الذي ذكر به فوق الخلفاء الراشدين المهديين ومن سواهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أجمعين؟، فكان جوابنا له في ذلك أن من جلت رتبته في معنى من المعاني جاز أن يقال إنه أفضل الناس في ذلك المعنى، وإن كان فيهم من هو مثله أو من هو فوقه، ومن ذلك ما قد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما قاله لعلي: «إنه يقتله أشقاها» يريد البرية

(1) أفرضهم: أكثرهم علما بالفرائض وهي المواريث

687 -كما حدثنا أحمد بن داود بن موسى، حدثنا عبد الرحمن بن صالح الأزدي، حدثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، وكما حدثنا أحمد بن شعيب، أخبرني محمد بن وهب، حدثنا محمد بن سلمة، ثنا ابن إسحاق، عن يزيد بن محمد بن خثيم، عن محمد بن كعب القرظي، عن محمد بن خثيم، عن عمار بن ياسر قال: كنت أنا وعلي، رفيقين في غزوة ذكرها أحمد بن داود في حديثه ولم يذكرها أحمد بن شعيب فلما نزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقام بها رأينا ناسا من بني مدلج يعملون في عين لهم أو في نخل، فقال لي علي: يا أبا اليقظان هل لك أن نأتي هؤلاء فننظر كيف يعملون؟ قال: قلت إن شئت فجئناهم، فنظرنا إلى عملهم ساعة، ثم غشينا (1) النوم فانطلقت أنا وعلي حتى اضطجعنا في ظل صور من النخل، وفي دقعاء (2) من التراب فنمنا فوالله ما نبهنا إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم يحركنا برجله وقد تتربنا من تلك الدقعاء التي نمنا فيها فيومئذ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: «ما لك يا أبا تراب» لما يرى عليه من التراب، ثم قال: «ألا أحدثكما بأشقى الناس؟» ، قلنا: بلى يا رسول الله قال: «أحيمر ثمود الذي عقر (3) الناقة، والذي يضربك يا علي على هذه» ووضع يده على قرنه (4) حتى يبل منها هذه وأخذ بلحيته «ثم من ذلك أيضا ما قد روي عن علي مما لم يضفه إلى النبي عليه السلام غير أنا نعلم أنه لم يقله رأيا، ولا استخراجا، ولا استنباطا إذ كان مثله لا يقال بالرأي، ولا بالاستخراج، ولا بالاستنباط، ونحيط علما أنه قال ذلك؛ لأخذه إياه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

(1) غشينا: غلبنا وأصابنا

(2) الدقعاء: التراب الدقيق على وجه الأرض

(3) العقر: ضرب قوائم البعير أو الشاة بالسيف وهو قائم

(4) القرن: جانب الرأس

688 -كما حدثنا فهد، حدثنا أبو نعيم، حدثنا فطر بن خليفة، حدثنا أبو الطفيل قال: «دعا علي الناس إلى البيعة، فجاء عبد الرحمن بن ملجم فرده مرتين، ثم قال: ما يحبس أشقاها ليخضبن أو ليضعن هذا من هذه للحيته من رأسه، ثم تمثل بهذين البيتين، اشدد حيازيمك للموت فإن الموت آتيكا ولا تجزع من القتل إذا حل بواديكا» ونحن نعلم أن ابن ملجم قد كان من أهل التوحيد وإنما الذي كان منه حتى عاد به مطلقا عليه أنه أشقى الناس عظيم ما كان منه، وجلالة جرمه، وفتقه في الإسلام ما فتقه، ونحن نعلم مع ذلك أن أشقى منه من لم يوحد الله ساعة قط، وجعل لله ولدا ولقي الله على ذلك، وهو في الشقوة فوق ابن ملجم، ومن ذلك ما قد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخوارج الذين منهم ابن ملجم

689 -كما حدثنا محمد بن سنان الشيزري، حدثنا عبد الوهاب بن نجدة الحوطي، حدثنا أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج الخولاني، عن الأوزاعي، عن قتادة، عن أنس عن النبي عليه السلام في وصفه الخوارج بالصلاة والصوم، ثم قال: «يمرقون (1) من الدين كما يمرق السهم من الرمية (2) شرار الخلق والخليقة» وكما حدثنا الربيع المرادي، حدثنا بشر بن بكر، عن الأوزاعي، ثم ذكر بإسناده مثله وقد علمنا أن من نحل لله ولدا، أو أشرك به، وقتل أنبياءه وكذب رسله شر من هؤلاء؛ لما عظم ما كان منهم وجل جاز بذلك أن يقال: هم شر الخلق والخليقة، وجاز لمن تفرد منهم بما تفرد به في علي أن يقال: هو أشقى البرية وإن كان فيها من هو في الشقوة مثله أو من هو في الشقوة فوقه، فمثل ذلك ما ذكرناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل واحد من أبي، ومن زيد، ومن معاذ في الحديث الذي رويناه في صدر هذا الباب جاز إطلاق ذلك له على ما في الحديث؛ لجلالة مقداره في المعنى الذي أضيف إليه فيه؛ ولعلو رتبته فيه وإن كان قد يجوز أن يكون في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من هو في ذلك المعنى مثله، ومن هو فوقه في ذلك المعنى؛ وهذا لسعة اللغة ولعلم المخاطبين بذلك مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم بما خاطبهم به فيه، ولولا أن ذلك كذلك ما جاز أن يقال لمن عظمت رتبته في العلم وجل مقداره فيه: إنه أعلم الناس إذ كان الذي يقول ذلك له لا يعرف الناس جميعا، ولا يقف على مقادير علومهم، وإذا جاز له ذلك مع تقصيره عن معرفة الناس جميعا، وعن معرفة مقدار علومهم إذ كان لا يعرف منهم مثل الذي وصفه مما وصفه به كان ذلك مما قد عقلنا به أن المراد بمثله من يعرفه قائل ذلك القول، وأنه جاز له جمع الناس جميعا في قوله، وأن ذلك على المجاز لا على الحقيقة

(1) يمرقون: يجوزون ويخرقون ويخرجون

(2) الرمية: الهدف الذي يرمى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت