ولم يكتف هؤلاء الأشرار بذلك حتى سعوا بين عمرو وعبد الله بن سعد، وأوقعوا الخلاف بينهما، فبلغ ذلك عثمانَ فعزل عَمْرًا وجعل مصر كلها لابن أبي السرح، وقدم عمرو المدينةَ مُغضَبًا.
وبذلك نجحت مكيدتهم في عزل عمرو عن مصر، فخلا لهم الجو وعاثوا فيها فسادا، وبثوا أفكارهم الهدامة بين الناس، وظهرت أولُ بوادر الفتنة في تحريض محمد بن أبي حذيفة [1] ومحمد بن أبي بكر [2] الناسَ على ذم عثمان وواليه ابن أبي السرح، أثناء الخروج إلى معركة ذات الصواري [3] ،
(1) - محمد بن أبي حذيفة محمد بن أبي حذيفة
هو الأمير أبو القاسم العبشمي، أحد الأشراف، ولد لأبيه لما هاجر الهجرة الأولى إلى الحبشة. وله رؤية. ولما توفي النبي -صلى الله عليه وسلم- كان هذا ابن إحدى عشرة سنة، أو أكثر.
وكان أبوه من السابقين الأولين، البدريين. وكان جده عتبة بن ربيعة سيد المشركين وكبيرهم، فقتل يوم بدر، واستشهد أبو حذيفة يوم اليمامة، فنشأ محمد في حجر عثمان.
وأمه هي سهلة بنت سهيل العامرية. وتربى في حِشْمَةٍ وبَاوٍ، ثم كان ممن قام على عثمان، واستولى على إمرة مصر.
روى عنه عبد الملك بن مليل البلوي.
قال ابن يونس: وانبرى بمصر محمد بن أبي حذيفة على متوليها عقبة بن مالك، استعمله عبد الله بن أبي سرح لما وفد إلى عثمان، فأخرج عقبة عن الفسطاط، وخلع عثمان.
وكان يسمى مشئوم قريش.
وذكره شباب في تسمية عمال علي -رضي الله عنه- على مصر، فقال: ولى محمدا، ثم عزله بقيس بن سعد.
ابن المبارك: حدثنا حرملة بن عمران، حدثني عبد العزيز بن عبد الملك بن مليل، حدثني أبي قال: كنت مع عقبة بن عامر جالسا بقرب المنبر يوم الجمعة، فخرج محمد بن أبي حذيفة، فاستوى على المنبر، فخطب، وقرأ سورة -وكان من أقرأ الناس- فقال عقبة: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ليقرأن القرآن رجال لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية. فسمعها محمد بن أبي حذيفة، فقال: والله لئن كنت صادقا -وإنك ما علمت لكذوب- إنك لمنهم.
قال ابن المبارك: حمل هذا الحديث أنهم يجمعون معهم، ويقولون لهم هذه المقالة.
ابن عون، عن ابن سيرين ; أن محمد بن أبي حذيفة بن عتبة وكعبا ركبا سفينة، فقال محمد: يا كعب! أما تجد سفينتنا هذه في التوراة كيف تجري؟ قال: لا، ولكن أجد فيها رجلا أشقى الفتية من قريش، ينزو في الفتنة نزو الحمار، لا تكون أنت هو.
ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، قال: انطلق ابن أبي حذيفة مع معاوية، حتى دخل بهم الشام، ففرقهم نصفين، فسجن ابن أبي حذيفة وجماعة بدمشق، وسجن ابن عديس وجماعة ببعلبك.
وقال ابن يونس: قتل ابن أبي حذيفة بفلسطين سنة ست وثلاثين وكان ممن أخرجه معاوية من مصر.
قلت: عامة من سعى في دم عثمان قتلوا، وعسى القتل خيرا لهم وتمحيصا - الشبكة الإسلامية
(2) - محمد بن أبي بكر الصديق محمد بن أبي بكر الصديق
ولدته أسماء بنت عميس في حجة الوداع وقت الإحرام.
وكان قد ولاه عثمان إمرة مصر كما هو مبين في سيرة عثمان، ثم سار لحصار عثمان، وفعل أمرا كبيرا، فكان أحد من توثب على عثمان حتى قتل، ثم انضم إلى علي، فكان من أمرائه، فسيره على إمرة مصر سنة سبع وثلاثين في رمضانها، فالتقى هو وعسكر معاوية، فانهزم جمع محمد، واختفى هو في بيت مصرية، فدلت عليه، فقال: احفظوني في أبي بكر ; فقال معاوية بن حديج: قتلت ثمانين من قومي في دم الشهيد عثمان، وأتركك، وأنت صاحبه! فقتله، ودسه في بطن حمار ميت، وأحرقه.
وقال عمرو بن دينار: أتي بمحمد أسيرا إلى عمرو بن العاص، فقتله، يعني: بعثمان.
قلت: أرسل عنه ابنه القاسم بن محمد الفقيه. الشبكة الإسلامية
(3) - لما ولي معاوية بن أبي سفيان الشام ألح على عمر الفاروق في غزو البحر، وكتب له معاوية: (إن قرية من قرى حمص ليسمعُ بنباح كلابهم، وصياح دجاجاتهم) . فاحتار عمر وكتب إلى عمرو بن العاص واليه على مصر: (صف لي البحر وراكبه؛ فإن نفسي تنازعني عليه) . فكتب عمرو: (إني رأيت خلقًا كبيرًا يركبه خلقٌ صغير، ليس إلا السماء والماء، إن ركد خرق القلوب، وإن تحرك أزاغ العقول، يزداد فيه اليقين - بالنجاة - قلة، والشك كثرة، هم فيه كدود على عود، إن مال غرق، وإن نجا برق) .
قرأ عمر الكتاب ثم كتب إلى معاوية: (والذي بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم بالحق لا أحمل فيه مسلمًا أبدًا، وبالله لمسلمٌ واحدُ أحب إلي مما حوت الروم) .
ولما ولي عثمان الخلافة كتب إليه معاوية يستأذنه في غزو البحر، وذلك بعد أن بدأ معاوية باستكمال الاستعدادت، فوافق عثمان على طلبه، وكتب إليه: (لا تنتخب الناس، ولا تقرع بينهم، خيرهم، فمن اختار الغزو طائعًا فاحمله وأعنه) .
فبنى معاوية أسطولًا إسلاميًا، واستعمل على البحر عبد الله بن قيس الجاسي فاستطاع فتح قبرص.
وولى عثمان عبد الله بن سعد بن أبي السرح ولاية مصر فبدأ بغزو جنوب ليبيا، ثم غزا بلاد النوبة، بالإضافة إلى أن معاوية سيطر على الشواطئ في بلاد الشام وآسيا الصغرى، فلما رأى الروم خسائرهم المتوالية في البر جمع قسطنطين بن هرقل أسطولًا روميًا به ألف سفينة لضرب المسلمين، فأرسل معاوية - بعد إذن عثمان - مراكب الشام بقيادة بُسر بن أرطاة، واجتمع مع بن أبي سرح في مراكب مصر، ومجموعها مائتا سفينة فقط، وكانت المعركة التي يترجح أنها وقعت على شواطئ الاسكندرية، سنة 32 للهجرة.
والتقى الجيشان في عرض البحر، وطلب المسلمون من الروم: إن أحببتم ننزل إلى الساحل فنقتتل، حتى يكتب لأحدنا النصر، وإن شئتم فالبحر، فأبى الروم إلا الماء، وبات الفريقان تلك الليلة في عرض البحر، وقام المسلمون الليل يصلون ويدعون ويذكرون، وبات الروم يضربون النواقيس.
ولما صلى المسلمون الفجر أمر عبد الله جنده أن يقتربوا من سفن أعدائهم فاقتربوا حتى لامسوها، ونزل الفدائيون إلى الماء وربطوا السفن العربية بسفن الروم بحبال متينة، وبدأ الروم القتال، وصار قاسيًا، وسالت الدماء حتى احمرت صفحة المياه، وترامت الجثث في الماء، وضربت الأمواج السفن حتى ألجأتها إلى الساحل، وقتل من المسلمين الكثير، وقتل من الروم ما لا يحصى، وصمد المسلمون، فكتب الله لهم النصر بما صبروا، واندحر الروم، وكاد قسطنطين أن يقع أسيرًا في أيدي المسلمين، لكنه فر مدبرًا والجراحات في جسمه حتى وصل جزيرة صقلية، فسأله أهلها عن أمره، فأخبرهم فقتلوه حنقًا عليه.
والصواري جمع صار، وهي الخشبة المعترضة وسط السفينة، وسميت المعركة كذلك لكثرة صواري المراكب واجتماعتها، أو لكثرة ساريات السفن التي التحمت في القتال في ذلك اليوم (1200 سفينة عربية ورومية) .
ذات الصواري، للدكتور شوقي أبو خليل