فهرس الكتاب

الصفحة 146 من 366

قال: فأشيروا عليّ؛ فقال سعيد بن العاص: هذا أمر مصنوع يصنع في السرّ، فيلقى به غير ذي المعرفة، فيخبر به، فيتحدّث به في مجالسهم، قال: فما دواء ذلك؟ قال: طلب هؤلاء القوم، ثم قتل هؤلاء الذين يخرج هذا من عندهم.

وقال عبد الله بن سعد: خذ من الناس الذي عليهم إذا أعطيتهم الذي لهم؛ فإنه خير من أن تدعهم. قال معاوية: قد ولّيتني فوليت قومًا لا يأتيك عنهم إلا الخبر، والرّجلان أعلم بناحيتيهما؛ قال: فما الرأي؟ قال: حسن الأدب، قال: فما ترى يا عمرو؟ قال: أرى أنك قد لنت لهم، وتراخيت عنهم، وزدتهم على ما كان يصنع عمر، فأرى أن تلزم طريقة مصاحبيك، فتشتدَّ في موضع الشدّة، وتلين في موضع اللين. إن الشدّة تنبغي لمن لا يألوا الناس شرًّا، واللين لمن يخلف الناس بالنصح، وقد فرشتهما جميعًا اللين.

وقام عثمان فحمد الله وأثنى عليه وقال: كلّ ما أشرتم به عليّ قد سمعت، ولكلّ أمر باب يؤتي منه؛ إنّ هذا الأمر الذي يخاف على هذه الأمة كائن، وإنّ بابه الذي يغلق عليه فكيفكف به اللين والمؤاتاة والمتابعة، إلاّ في حدود الله تعالى ذكره، التي لا يستطيع أحد أن يبادي بعيب أحدهما، فإن سدّه شيء فرفق، فذاك والله ليفتحنّ، وليست لأحد عليَّ حجة حقّ، وقد علم الله أنّي لم آل الناس خيرًا، ولا نفسي. ووالله إن رحا الفتنة لدائرة، فطوبى لعثمان إن مات ولم يحركها. كفكفوا الناس، وهبوا لهم حقوقهم، واغتفروا لهم، وإذا تعوطيت حقوق الله فلا تدهنوا فيها. [1]

ولم يرتدعْ مثيرو الفتنة، وتمادوا في غيهم حتى نجحت فتنتُهم في بعض الأمصار، فخلعوا واليَ الكوفة، ونجح الثائرون في مصر في خلع واليهم والاستيلاءِ عليها، وجهَّزوا لزحفهم الأول على المدينة الذي تبدد أمام موقف الخليفة العظيم وحكمته.

الكوفة ومصر تخلعان واليهما

الكوفة .. غريبة هذه المدينة التي رَفَعتْ قبائلُها صوتَ الشكوى ضد وُلاتها منذ الميلادِ الأولِ لها، فقد جَلَبَ إليها ساكنوها من صحارى الجزيرة كثيرًا من ميراث الجاهلية، فكم اعترضوا على وُلاتهم، وكم رمَوْهم بالتهم الكبار!! حتى اشتكى منهم أميرُ المؤمنين عمر، بعد أن استجاب لهم مرة ومرة، وعزل عنهم مَنْ لا يرضونه من الولاة.

وها هم اليوم قابعون في الكوفة في انتظار ما يُسفر عنه الاجتماع الذي عقده أمير المؤمنين عثمان مع ولاته على الأمصار، وأهلُ الكوفة كلُّهم ثقةٌ في أن الخلافة ستستجيب لهم، وتَعزل عنهم مَنْ يكرهون، كما تعوّدوا من قبلُ .. لكن الأنباء التي بلَغَتْهم أفادتْ أن عثمان أبقى سعيد بن العاص أميرا عليهم، فامتلأت نفوسُ طلابِ الفتن غيظا وأضمروا شرا ...

وقد كان الباب أمام الشر مفتوحا، إذْ أرسل سعيد بن العاص أشرافَ الناس ولاةً على أنحاء فارس، وبقي النازعون إلى الفتن، والباحثون عن الاضطراب والخلل كثرةً خلا لها الجوُّ، فعسكروا لسعيد ـ لدى عودتِه من المدينة ـ عند الجَرَعَةِ، ومنعوه من

(1) - تاريخ الرسل والملوك - (ج 2 / ص 467 - 469)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت