إله إلا الله ما كتبت ولا أمليت ولا علمت، وقد تعلمون أن الكتاب يكتب على لسان الرجل، وقد ينقش الخاتم على الخاتم. فقالوا: والله، أحل الله دمك، ونقضوا العهد والميثاق (5) فحاصروه. فأشرف عليهم ذات يوم فقال: السلام عليكم، فما أسمع أحدا من الناس رد عليه السلام، إلا أن يرد رجل في نفسه، فقال: أنشدكم الله، هل علمتم أني اشتريت رومة من مالي، فجعلت رشائي فيها كرشاء رجل من المسلمين؟ قيل: نعم، قال: فعلام تمنعوني أن أشرب منها حتى أفطر على ماء البحر؟ أنشدكم الله هل علمتم أني اشتريت كذا وكذا من الأرض فزدته في المسجد؟ قيل: نعم، قال: فهل علمتم أن أحدا من الناس منع أن يصلي فيه قبلي؟ أنشدكم الله هل سمعتم نبي الله صلى الله عليه وسلم يذكر كذا وكذا؟ أشياء في شأنه عددها.، قال: ورأيته أشرف عليهم مرة أخرى فوعظهم وذكرهم، فلم تأخذ منهم الموعظة، وكان الناس تأخذ منهم الموعظة في أول ما يسمعونها، فإذا أعيدت عليهم لم تأخذ منهم فقال لامرأته: افتحي الباب، ووضع المصحف بين يديه، وذلك أنه رأى من الليل أن نبي الله صلى الله عليه وسلم، يقول له: «أفطر عندنا الليلة» فدخل عليه رجل، فقال: بيني وبينك كتاب الله، فخرج وتركه، ثم دخل عليه آخر فقال: بيني وبينك كتاب الله، والمصحف بين يديه، قال: فأهوى له بالسيف، فاتقاه بيده فقطعها، فلا أدري أقطعها ولم يبنها، أم أبانها؟ قال عثمان: أما والله إنها لأول كف خطت المفصل - وفي غير حديث أبي سعيد: فدخل عليه التجيبي فضربه مشقصا (6) ، فنضح الدم على هذه الآية (فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم(7 ) ) ، قال: وإنها في المصحف ما حكت، قال: وأخذت بنت الفرافصة - في حديث أبي سعيد - حليها ووضعته في حجرها، وذلك قبل أن يقتل، فلما قتل، تفاجت عليه، قال بعضهم: قاتلها الله، ما أعظم عجيزتها، فعلمت أن أعداء الله لم يريدوا إلا الدنيا أخرجه ابن حبان في صحيحه [1]
وحين رأى دماءَه تَتَفَجَّر، فَتُضمِّخ أوراقَ المصحف، طواه حتى لا تَطْمِسَ الدماءُ آياتِه، ثم ضمَّه ـ وهو يُسْلِمُ الروحَ ـ إلى صدره ..
وحين تَمَدَّدَ جثمانُه الطَّهُورُ ساكنا سكونَ الموتِ، كان كتابُ اللهِ لصيقَه وصديقَه .. !!
ومَنْ أولى بذلك منه .. ؟؟ أليس هو الذي وحَّده، وحفِظَه، وافْتداه .. ؟!
كان الاغتيالُ الخاطفُ لحياته قد تم بين العصر والأصيل. وإذن، فأمامَ روحِه وقتٌ كافٍ لبلوغ موعدها على مائدة الإفطار في الجَنَّة، عند الغروب .. !!!
فَلْتَعْرُجْ إلى بارئِها .. ولْتَذْهَبْ إلى ضيافتِه في فَرَحٍ عظيمٍ.
ولْيَبْقَ للأرض جسدُه يُدفَنُ بها، مُثْخَنًا دَمِيّا .. أو سليما مُعافَى.
ذلك أمرٌ لا يعنيه مادامت روحه الطاهرة قد فازتْ بمستقبلها عند الله.
وطاشتْ عقولُ الصحابة، وعَمَّ الذهولُ أهلَ المدينةِ، وخَيَّمَ الحزنُ عليها، وضَجَّتْ طُرُقاتُها بالنَّحيبِ والعَويلِ مِنْ شدَّة وَقْعِ الخَبَرِ عليْها.
فَيَا شهيدَ فضائِلِكَ ووفائِكَ، سلامًا ووداعًا.
(1) - برقم (7045) وهو صحيح
(1) سورة: يونس آية رقم: 59 (2) الْحِمَى: يقال أحْمَيْت المكان فهو مُحْمًى أي مَحْظُور لا يُقْرَب، وحَمَيْتُه حِماية إذا دَفَعْتَ عنه ومَنَعْتَ منه مَنْ يَقْرُبه (3) الميثاق: العهد (4) العامل: الوالي على بلدٍ ما لجمع خراجها أو زكواتها أو الصلاة بأهلها أو التأمير على جهاد عدوها (5) الميثاق: العهد والذمة والضمان (6) المشقص: نصل السهم إذا كان طويلا غير عريض (7) سورة: البقرة آية رقم: 137