فهرس الكتاب

الصفحة 205 من 366

وعبيد الله كان معه ألوف مؤلفة من المسلمين مع معاوية، وفيهم خير من عبيد الله بكثير. وعليّ لم يمكنه عزل معاوية، وهو عزل مجرد. أفكان يمكنه قتل عبيد الله؟!

ومن العجب أن دم الهرمزان المتهم بالنفاق، والمحاربة لله ورسوله، والسعي في الأرض بالفساد، تُقام فيه القيامة، ودم عثمان يُجعل لا حرمة له، وهو إمام المسلمين المشهود له بالجنة، الذي هو - وإخوانه - أفضل الخلق بعد النبيين. ومن المعلوم بالتواتر أن عثمان كان من أكفِّ الناس عن الدماء، وأصبر الناس على من نال من عرضه، وعلى من سعى في دمه فحاصروه وسعوا في قتله، وقد عُرف إرادتهم لقتله، وقد جاء المسلمون من كل ناحية ينصرونه ويشيرون عليه بقتالهم، وهو يأمر الناس بالكف عن القتال، ويأمر من يطيعه أن لا يقاتلهم. ورُوى أنه قال لمماليكه: من كفَّ يده فهو حرّ. وقيل له: تذهب إلى مكة؟ فقال: لا أكون ممن ألحد في الحرم. فقيل له: تذهب إلى الشام؟ فقال: لا أفارق دار هجرتي. فقيل له: فقاتلهم. فقال: لا أكون أول من خلف محمدًا في أمته بالسيف.

فكان صبر عثمان حتى قُتل من أعظم فضائله على المسلمين. فمن قدح في عثمان بأنه كان يستحل إراقة دماء المسلمين بتعطيل الحدود، وكان قد طرَّق من القدح في عليّ ما هو أعظم من هذا، وسوَّغ لمن أبغض عليًّا وعاداه وقاتله أن يقول: إن عليّا عطَّل الحدود الواجبة على قتلة عثمان. وتعطيل تلك الحدود إن كانت واجبة أعظم فسادا من تعطيل حدٍّ وجب بقتل الهرمزان.

وإذا كان من الواجب الدفع عن عليّ بأنه كان معذورا باجتهاد أو عجز، فلأن يُدفع عن عثمان بأنه كان معذورا بطريق الأَوْلى.

وأما قوله: (( أراد عثمان تعطيل حد الشرب في الوليد بن عقبة، حتى حدّه أمير المؤمنين ) ).

فهذا كذب عليهما، بل عثمان هو الذي أمر عليًّا بإقامة الحد عليه، كما ثبت ذلك في الصحيح (1) ، وعليّ خفف عنه وجَلَده أربعين، ولو جلده ثمانين لم ينكر عليه عثمان.

وقول الرافضي: (( إن عليًّا قال: لا يبطُل حدُّ الله وأنا حاضر ) ).

فهو كذب. وإن كان صدقا فهو من أعظم المدح لعثمان؛ فإن عثمان قَبِلَ قول عليّ ولم يمنعه من إقامة الحد، مع قدرة عثمان على منعه لو أراد، فإن عثمان كان إذا أراد شيئا فعله، ولم يقدر عليّ عَلَى منعه. وإلا فلو كان عليّ قادرًا على منعه مما فعله من الأمور التي أُنكرت عليه ولم يمنعه مما هو عنده مُنْكَرٌ مع قدرته، كان هذا قدحًا في عليّ. فإذا كان عثمان أطاع عليًّا فيما أمره به من إقامة الحدّ دل ذلك على دِين عثمان وعدله.

وعثمان وليّ الوليد بن عقبة هذا على الكوفة، وعندهم أن هذا لم يكن يجوز. فإن كان حرامًا وعليٌّ قادر على منعه، وجب عَلَى عليٍّ منعه، فإذا لم يمنعه دلّ على جوازه عند عليّ، أو عَلَى عجز عليّ. وإذا عجز عن منعه عن الإمارة، فكيف لا يعجز عن ضربه الحد؟ فعُلم أن عليّا كان عاجزًا عن حدّ الوليد، لولا عثمان أراد ذلك، فإذا أراده عثمان دلّ على دينه.

والرافضة تتكلم بالكلام المتناقض الذي ينقض بعضه بعضا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت