بعد مقتل عثمان ـ رضي الله عنه ـ استقبل المسلمون أمرًا له وَجْهٌ وله ألوانٌ، لا تقوم له القلوب، ولا تثبت عليه العقول ..
فما زالوا بعليٍّ ـ رضي الله عنه ـ يَعْرِضُون عليه الخلافةَ حتى قَبِلَهَا، فتمَّت البيعةُ في ظل ظروف صعبة وحرجة في تاريخ الأمة الوليدة.
وهكذا حمل الإمام عليٌّ الحِملَ الكبيرَ ـ منصبَ الخلافةِ ـ فجاءتْه الخلافةُ مُثْخَنَةً بالجِراح، مثقلةً بالمتاعب؛ إذْ واجه المشكلاتِ منذ ولِيَهَا، خاصة بسبب رأيه في قسمة العطاء، وتأجيل القِصاص من قَتَلَةِ الخليفة، وعزله عُمَّالَ عثمان.
كل هذا سبَّبَ له المتاعب والمشاقَّ الجسامَ، فتحمَّلها في جَلَدِ الصابرين، وتعامل معها بضميرٍ بلغ الكمال في استقامته وتقواه؛ فأتت الأحداث والأهوال عاصفةً، بدءًا بموقِعَةِ الجَمَلِ، ومرورًا بحرب صِفِّين، وظهور الخوارج، وتغيُّرِ أوضاعِ خلافتِه بعد النهروان، وعصيان أهل الكوفة له وانتهاءً بمقتله ـ رضي الله عنه.
كل هذه الأحداث كافيةٌ أنْ تقتلع الجبال، لكن الإمام عليًا رضي الله عنه أَبَى أن يَحيد عن الحق برغم الأهوال، أبَى أن يتبع الهوى؛ ولْتَبْذُلِ الدنيا له كلَّ زينتها وبهجتها وإغرائها، فإنه لن يربط بها أملا ولا رجاءً؛ فإن طول الأمل يُنسي الآخرة [1] .
ولقد أحاطت به العواصف والأعاصير لكي تُزِيغَه في ظلامها عن الطريق، أو تُفْقِدَه بعضَ رشدِه، أو تَشْغَلَه عن غاياته ومبادئه .. فما زاغ عن الطريق .. ولا فَقَدَ الرُّشْدَ .. ولا سَئِمَ صحبةَ مبادئِه .. وحين أدركه الموت وجده عملاقًا يحمل رايتَه .. !!
(1) - قَالَ عَلِيٌّ: إنَّمَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ اثْنَتَيْنِ: طُولَ الأَمَلِ، وَاتِّبَاعَ الْهَوَى، فَإِنَّ طُولَ الأَمَلِ يُنْسِي الآخِرَةَ، وَإِنَّ اتِّبَاعَ الْهَوَى يَصُدُّ، عَنِ الْحَقِّ، وَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ تَرَحَّلَتْ مُدْبِرَةً، وَإِنَّ الآخِرَةَ مُقْبِلَةٌ وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَنُونَ فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الآخِرَةِ، فَإِنَّ الْيَوْمَ عَمَلٌ، وَلاَ حِسَابَ، وَغَدًا حِسَابٌ، وَلاَ عَمَلَ. أخرجه ابن ابي شيبة وغيره وهو صحيح