فهرس الكتاب

الصفحة 264 من 366

بَعْدَ اقْتِتَالِ الطَّائِفَتَيْنِ وَأَمَرَ بِالْإِصْلَاحِ بَيْنَهُمَا فَإِنَّهُ إذَا اقْتَتَلَتْ طَائِفَتَانِ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ: كَقَيْسِ ويمن - إذْ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي نَحْوِ ذَلِكَ - فَإِنَّهُ يَجِبُ الْإِصْلَاحُ بَيْنَهُمَا وَإِلَّا وَجَبَ عَلَى السُّلْطَانِ وَالْمُسْلِمِينَ أَنْ يُقَاتِلُوا الْبَاغِيَةَ؛ لِأَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَى ذَلِكَ فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ أَدَاءُ هَذَا الْوَاجِبِ وَهَذَا يُبَيِّنُ رُجْحَانَ الْقَوْلِ ابْتِدَاءً فَفِي الْحَالِ الْأَوَّلِ لَمْ تَكُنْ الْقُدْرَةُ تَامَّةً عَلَى الْقِتَالِ وَلَا الْبَغْيِ حَاصِلًا ظَاهِرًا وَفِي الْحَالِ الثَّانِي حَصَلَ الْبَغْيُ وَقَوِيَ الْعَجْزُ وَهُوَ أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ وَأَقْرَبُهُمَا إلَيْهِ مُطْلَقًا وَالْأُخْرَى مَوْصُوفَةٌ بِالْبَغْيِ كَمَا جَاءَ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ كَمَا تَقَدَّمَ. وَقَدْ كَانَ مُعَاوِيَةُ وَالْمُغِيرَةُ وَغَيْرُهُمَا يَحْتَجُّونَ لِرُجْحَانِ الطَّائِفَةِ الشَّامِيَّةِ بِمَا هُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:" {لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي قَائِمَةً بِأَمْرِ اللَّه لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ وَلَا مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ} فَقَامَ مَالِك بْنُ يخامر فَقَالَ: سَمِعْت مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ يَقُولُ:" {وَهُمْ بِالشَّامِ} فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: وَهَذَا مَالِكُ بْنُ يخامر يَذْكُرُ أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاذًا يَقُولُ. وَهُمْ بِالشَّامِ وَهَذَا الَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ فِيهِمَا أَيْضًا نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:" {لَا تَزَالُ مِنْ أُمَّتِي أُمَّةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى الْحَقِّ حَتَّى يَاتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ} وَهَذَا يَحْتَجُّونَ بِهِ فِي رُجْحَانِ أَهْلِ الشَّامِ بِوَجْهَيْنِ:"أَحَدُهُمَا": أَنَّهُمْ الَّذِينَ ظَهَرُوا وَانْتَصَرُوا وَصَارَ الْأَمْرُ إلَيْهِمْ بَعْدَ الِاقْتِتَالِ وَالْفِتْنَةِ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" {لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ} وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الطَّائِفَةَ الْقَائِمَةَ بِالْحَقِّ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ هِيَ الظَّاهِرَةُ الْمَنْصُورَةُ فَلَمَّا انْتَصَرَ هَؤُلَاءِ كَانُوا أَهْلَ الْحَقِّ."وَالثَّانِي"أَنَّ النُّصُوصَ عَيَّنَتْ أَنَّهُمْ بِالشَّامِ كَقَوْلِ مُعَاذٍ وَكَمَا رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:" {لَا يَزَالُ أَهْلُ الْغَرْبِ ظَاهِرِينَ} قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَد: وَأَهْلُ الْغَرْبِ هُمْ أَهْلُ الشَّامِ. وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مُقِيمًا بِالْمَدِينَةِ فَمَا يَغْرُبُ عَنْهَا فَهُوَ غَرْبُهُ وَمَا يَشْرَقُ عَنْهَا فَهُوَ شَرْقُهُ وَكَانَ يُسَمِّي أَهْلَ نَجْدٍ وَمَا يُشْرِقُ عَنْهَا أَهْلَ الْمَشْرِقِ كَمَا قَالَ ابْنُ عُمَر: قَدِمَ رَجُلَانِ مِنْ أَهْلِ الْمَشْرِقِ فَخَطَبَا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" {إنَّ مِنْ الْبَيَانِ لَسِحْرًا} . وَقَدْ اسْتَفَاضَتْ السُّنَنُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي"الشَّرِّ"أَنَّ أَصْلَهُ مِنْ الْمَشْرِقِ: كَقَوْلِهِ:" {الْفِتْنَةُ مِنْ هَاهُنَا الْفِتْنَةُ مِنْ هَاهُنَا} وَيُشِيرُ إلَى الْمَشْرِقِ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" {رَاسُ الْكُفْرِ نَحْوُ الْمَشْرِقِ} وَنَحْوُ ذَلِكَ. فَأَخْبَرَ أَنَّ الطَّائِفَةَ الْمَنْصُورَةَ الْقَائِمَةَ عَلَى الْحَقِّ مِنْ أُمَّتِهِ بِالْمَغْرِبِ وَهُوَ الشَّامُ وَمَا يَغْرُبُ عَنْهَا وَالْفِتْنَةُ وَرَاسُ الْكُفْرِ بِالْمَشْرِقِ وَكَانَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يُسَمَّوْنَ أَهْلَ الشَّامِ أَهْلَ الْمَغْرِبِ وَيَقُولُونَ عَنْ الأوزاعي: أَنَّهُ إمَامُ أَهْلِ الْمَغْرِبِ وَيَقُولُونَ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَنَحْوِهِ: إنَّهُ مَشْرِقِيٌّ إمَامُ أَهْلِ الْمَشْرِقِ وَهَذَا لِأَنَّ مُنْتَهَى الشَّامِ عِنْدَ الْفُرَاتِ هُوَ عَلَى مُسَامَتَةِ مَدِينَةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طُولَ كُلٍّ مِنْهُمَا وَبَعْدَ ذَلِكَ حَرَّانَ وَالرِّقَّةُ وَنَحْوُهُمَا عَلَى مُسَامَتَةِ مَكَّةَ؛ وَلِهَذَا كَانَتْ قِبْلَتُهُمْ أَعْدَلَ الْقِبْلَةِ بِمَعْنَى أَنَّهُمْ يَسْتَقْبِلُونَ الرُّكْنَ الشَّامِيَّ وَيَسْتَدْبِرُونَ الْقُطْبَ الشَّامِيَّ مِنْ غَيْرِ انْحِرَافٍ إلَى ذَاتِ الْيَمِينِ كَأَهْلِ الْعِرَاقِ وَلَا إلَى ذَاتِ الشِّمَالِ: كَأَهْلِ الشَّامِ. قَالُوا: فَإِذَا دَلَّتْ هَذِهِ النُّصُوصُ عَلَى أَنَّ الطَّائِفَةَ الْقَائِمَةَ بِالْحَقِّ مِنْ أُمَّتِهِ الَّتِي لَا يَضُرُّهَا خِلَافُ الْمُخَالِفِ وَلَا خِذْلَانُ الْخَاذِلِ هِيَ بِالشَّامِ كَانَ هَذَا مُعَارِضًا لِقَوْلِهِ:" {تَقْتُلُ عَمَّارًا الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ} وَلِقَوْلِهِ:" {تَقْتُلُهُمْ أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ} وَهَذَا مِنْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت