يُلَقَّبُ حِمَارًا، وَكَانَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ، وَكَانَ كُلَّمَا شَرِبَ أُتِيَ بِهِ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَلَدَهُ فَأُتِيَ بِهِ إلَيْهِ مَرَّةً، فَقَالَ رَجُلٌ: لَعَنَهُ اللَّهُ مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَلْعَنُوهُ، فَإِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. وَكُلُّ مُؤْمِنٍ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَمَنْ لَمْ يُحِبَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَلَيْسَ بِمُؤْمِنِ، وَإِنْ كَانُوا مُتَفَاضِلِينَ فِي الْإِيمَانِ وَمَا يَدْخُلُ فِيهِ مِنْ حُبٍّ وَغَيْرِهِ. هَذَا مَعَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لَعَنَ الْخَمْرَ، وَعَاصِرَهَا، وَمُعْتَصِرَهَا، وَشَارِبَهَا، وَسَاقِيَهَا، وَحَامِلَهَا، وَالْمَحْمُولَةَ إلَيْهِ، وَآكِلَ ثَمَنِهَا} وَقَدْ نَهَى عَنْ لَعْنَةِ هَذَا الْمُعَيَّنِ، لِأَنَّ اللَّعْنَةَ مِنْ"بَابِ الْوَعِيدِ"فَيُحْكَمُ بَهْ عُمُومًا وَأَمَّا الْمُعَيَّنُ فَقَدْ يَرْتَفِعُ عَنْهُ الْوَعِيدُ لِتَوْبَةِ صَحِيحَةٍ، أَوْ حَسَنَاتٍ مَاحِيَةٍ أَوْ مَصَائِبَ مُكَفِّرَةٍ، أَوْ شَفَاعَةٍ مَقْبُولَةٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِك مِنْ الْأَسْبَابِ الَّتِي ضَرَرُهَا يَرْفَعُ الْعُقُوبَةَ عَنْ الْمُذْنِبِ. فَهَذَا فِي حَقِّ مَنْ لَهُ ذَنْبٌ مُحَقَّقٌ. وَكَذَلِك"حَاطِبُ بْنُ أَبِي بلتعة"فَعَلَ مَا فَعَلَ وَكَانَ يُسِيءُ إلَى مَمَالِيكِهِ حَتَّى ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ {غُلَامَهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاَللَّهِ لَيَدْخُلَنَّ حَاطِبُ بْنُ أَبِي بلتعة النَّارَ. قَالَ: كَذَبْت، إنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا؛ وَالْحُدَيْبِيَةَ} . وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ {عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَلَهُ وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ، وَقَالَ لَهُمَا: ائْتِيَا رَوْضَةَ خاخ، فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَةً، وَمَعَهَا كِتَابٌ قَالَ عَلِيٌّ: فَانْطَلَقْنَا تَتَعَادَى بِنَا خَيْلُنَا حَتَّى لَقِينَا الظَّعِينَةَ، فَقُلْنَا: أَيْنَ الْكِتَابُ؟ فَقَالَتْ: مَا مَعِي كِتَابٌ. فَقُلْنَا لَهَا: لتخرجن الْكِتَابَ، أَوْ لَنُلْقِيَنَّ الثِّيَابَ، قَالَ فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ عِقَاصِهَا، فَأَتَيْنَا بَهْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِذَا كِتَابٌ مِنْ حَاطِبٍ إلَى بَعْضِ الْمُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ يُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ أَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا هَذَا يَا حَاطِبُ فَقَالَ: وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا فَعَلْت هَذَا ارْتِدَادًا عَنْ دِينِي، وَلَا رِضَاءً بِالْكُفْرِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ؛ وَلَكِنْ كُنْت امْرَأً مُلْصَقًا فِي قُرَيْشٍ، وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا، وَكَانَ مَنْ مَعَك مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَهُمْ قَرَابَاتٌ يَحْمُونَ بِهِمْ أَهَالِيهمْ بِمَكَّةَ، فَأَحْبَبْت إذْ فَاتَنِي ذَلِك مِنْهُمْ أَنْ أَتَّخِذَ عِنْدَهُمْ يَدًا يَحْمُونَ بِهَا قَرَابَتِي وَفِي لَفْظٍ: وَعَلِمْت أَنَّ ذَلِك لَا يَضُرُّك. يَعْنِي لِأَنَّ اللَّهَ يَنْصُرُ رَسُولَهُ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا. فَقَالَ عُمَرُ: دَعْنِي أَضْرِبُ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقَ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وَمَا يُدْرِيك أَنَّ اللَّهَ قَدْ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ لَهُمْ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْت لَكُمْ} فَهَذِهِ السَّيِّئَةُ الْعَظِيمَةُ غَفَرَهَا اللَّهُ لَهُ بِشُهُودِ بَدْرٍ. فَدَلَّ ذَلِك عَلَى أَنَّ الْحَسَنَةَ الْعَظِيمَةَ يَغْفِرُ اللَّهُ بِهَا السَّيِّئَةَ الْعَظِيمَةَ، وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {مَنْ كَانَ آخِرَ كَلَامِهِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ} وَأَمْثَالَ ذَلِك؛ مَعَ قَوْلِهِ: {إنَّ الَّذِينَ يَاكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إنَّمَا يَاكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} وَلِهَذَا لَا يُشْهَدُ لِمُعَيَّنِ بِالْجَنَّةِ إلَّا بِدَلِيلِ خَاصٍّ، وَلَا يُشْهَدُ عَلَى مُعَيَّنٍ بِالنَّارِ إلَّا بِدَلِيلِ خَاصٍّ؛ وَلَا يُشْهَدُ لَهُمْ بِمُجَرَّدِ الظَّنِّ مِنْ انْدِرَاجِهِمْ فِي الْعُمُومِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَنْدَرِجُ فِي العمومين فَيَسْتَحِقُّ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} {وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} وَالْعَبْدُ إذَا اجْتَمَعَ لَهُ سَيِّئَاتٌ وَحَسَنَاتٌ فَإِنَّهُ وَإِنْ اسْتَحَقَّ الْعِقَابَ عَلَى سَيِّئَاتِهِ فَإِنَّ اللَّهَ يُثِيبُهُ عَلَى حَسَنَاتِهِ، وَلَا يُحْبِطُ حَسَنَاتِ الْمُؤْمِنِ لِأَجْلِ مَا صَدَرَ مِنْهُ؛ وَإِنَّمَا يَقُولُ بِحُبُوطِ الْحَسَنَاتِ كُلِّهَا بِالْكَبِيرَةِ الْخَوَارِجُ وَالْمُعْتَزِلَةُ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِتَخْلِيدِ أَهْلِ الْكَبَائِرِ، وَأَنَّهُمْ لَا يَخْرُجُونَ مِنْهَا بِشَفَاعَةِ وَلَا غَيْرِهَا وَأَنَّ صَاحِبَ الْكَبِيرَةِ لَا يَبْقَى مَعَهُ مِنْ الْإِيمَانِ شَيْءٌ. وَهَذِهِ