فلما أتاه قال: يا أبة أرضيت أن تكون أعرابيًا في غنمك والناس يتنازعون في الملك بالمدينة؟
فضرب سعد صدر عمر وقال: اسكت فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي ) )، وهكذا رواه مسلم في صحيحه.
وقال أحمد أيضًا: حدثنا عبد الملك بن عمرو، ثنا كثير بن زيد الأسلمي، عن المطلب، عن عمر بن سعد، عن أبيه أنه جاءه ابنه عامر فقال: يا أبة: الناس يقاتلون على الدنيا وأنت ههنا؟
فقال: يا بني أفي الفتنة تأمرني أن أكون رأسًا؟ لا والله حتى أعطي سيفًا إن ضربت به مؤمنًا نبا عنه، وإن ضربت به كافرًا قتلته، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( إن الله يحب الغني الخفي التقي ) ).
وهذا السياق كان عكس الأول، والظاهر أن عمر بن سعد استعان بأخيه عامر على أبيه ليشير عليه أن يحضر أمر التحكيم لعلهم يعدلون عن معاوية وعلي ويولونه فامتنع سعد من ذلك وأباه أشد الأباء وقنع بما هو فيه من الكفاية والخفاء.
كما ثبت في (صحيح مسلم) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( قد أفلح من أسلم ورزق كفافًا وقنعه الله بما آتاه ) ).
وكان عمر بن سعد هذا يحب الإمارة، فلم يزل ذلك دأبه حتى كان هو أمير السرية التي قتلت الحسين بن علي رضي الله عنه، كما سيأتي بيانه في موضعه، ولو قنع بما كان أبوه عليه لم يكن شيء من ذلك.
والمقصود أن سعدًا لم يحضر أمر التحكيم، ولا أراد ذلك، ولاهم به، وإنما حضره من ذكرنا. (ج/ص: 7/ 314)
(( قلت: وهذا يكذب تلك الرواية المكذوبة التي تذكر حضوره وقوله ) )
فلما اجتمع الحكمان تراوضا على المصلحة للمسلمين، ونظرا في تقدير أمور، ثم اتفقا على أن يعزلا عليًا ومعاوية، ثم يجعلا الأمر شورى بين الناس ليتفقوا على الأصلح لهم منهما أو من غيرهما.
(( قلت: معاوية لم يكن خليفة للمسلمين آنذاك حتى يعزل، ولو قال: اتفقوا على أن يجعل أمر الخلافة شورى بين المسلمين، لكان كلامه صوابا ومعقولا، وأما أن يخلعا الاثنين فغير صحيح قطعا كما بينا من قبل ) )
وقد أشار أبو موسى بتولية عبد الله بن عمر بن الخطاب، فقال له عمرو: فولِّ ابني عبد الله فإنه يقاربه في العلم والعمل والزهد.
فقال له أبو موسى: إنك قد غمست ابنك في الفتن معك، وهو مع ذلك رجل صدق.
(( قلت: وبهذه الرواية يظهر أنهما كانا متفقين، وإنما اختلفا على من سيكون خليفة للمسلمين وأشار أبو موسى إلى ابن عمر رضي الله عنهما، وعمرو لم يطرح نفسه ولا معاوية ولكنه طرح ولده عبد الله فقال له أبو موسى: قد غمسته في الفتنة، ولن نولي أحدا اشترك فيها مع أنه رجل صدق، أقول: بالرغم أن عبد الله لم يقاتل وإنما كان معهم بسبب حديث ذكره أبوه له وهذه الرواية منطقية ومعقولة ) )