اختلف أهل العلم في الحكم والعقوبة التي يستحقها من سب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو جرحهم، هل يكفر بذلك وتكون عقوبته القتل أو أنه يفسق بذلك ويعاقب بالتعزير.
1 -ذهب جمع من أهل العلم إلى القول بتكفير من سب الصحابة رضي الله عنهم أو انتقصهم وطعن في عدالتهم وصرح، ببغضهم وأن من كانت هذه صفته فقد أباح دم نفسه وحل قتله إلا أن يتوب من ذلك ويترحم عليهم.
قال الطحاوي في عقيدته:"وحبهم ـ أي الصحابة ـ دين وإيمان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان" [12] .
وقال الذهبي:"فمن طعن فيهم أو سبهم فقد خرج من الدين ومرق من ملة المسلمين، لأن الطعن لا يكون إلا عن اعتقاد مساويهم وإضمار الحق فيهم وإنكار ما ذكره الله تعالى في كتابه من ثنائه عليهم وما لرسول الله صلى الله عليه وسلم من ثنائه عليهم وفضائلهم ومناقبهم وحبهم، ولأنهم أرضى الوسائل من المأثور والوسائط من المنقول، والطعن في الوسائط طعن في الأصل والازدراء بالناقل ازدراء بالمنقول وهذا ظاهر لمن تدبره وسلم من النفاق ومن الزندقة والإلحاد في عقيدته" [13] .
واستدل أصحاب هذا القول بأمور منها:
أ) أن سب الصحابة وانتقاصهم والطعن فيهم إيذاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم وانتقاص له وحط من مكانته عليه الصلاة والسلام لأنهم أصحابه الذين رباهم وزكاهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"وأذى الله ورسوله كفر موجب للقتل" [14] .
ب) أن الطعن في الصحابة والتجريح لهم مفاده إبطال جميع أحكام الشريعة الإسلامية إذ هم نقلتها والمبلغون لها.
قال القرطبي:"فمن نقص واحدًا منهم أو طعن عليه في روايته فقد رد على الله رب العالمين وأبطل شرائع المسلمين" [15] .
ج) أن الطعن في الصحابة يؤدي إلى إنكار ما قام عليه الإجماع قبل ظهور المخالف من فضلهم وشرفهم ومصادقة المتواتر من الكتاب والسنة الدالين على أن لهم الزلفي إلى ربهم [16] .
2 -وذهب فريق آخر من أهل العلم إلى أن ساب الصحابة لا يكفر بسبهم بل يفسق ويضلل ولا يعاقب بالقتل بل يعزر تعزيرًا شديدًا.
قال إسحاق بن راهويه:"ومن شتم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يعاقب ويحبس" [17] .
وقد استدل أصحاب هذا القول بأدله منها:
أ) ما رواه الشيخان في صحيحيهما من أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لخالد بن الوليد وقد سب عبد الرحمن بن عوف (( لا تسبوا أصحابي ... ) ).
ب) ما رواه الإمام أحمد بإسناده إلى أبي برزة الأسلمي قال: أغلظ رجل لأبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: فقال أبو برزة: ألا أضرب عنقه قال: فانتهره، وقال: ما هي لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم [18] .
ج) أن الله ميز بين مؤذي الله ورسوله ومؤذي المؤمنين فجعل الأول ملعونًا في الدنيا والآخرة وقال في الثاني: {فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينا} [النساء:112] ، ومطلق البهتان والإثم ليس بموجب للقتل وإنما هو موجب للعقوبة في الجملة.
[1] انظر: عقيدة أهل السنة والجماعة (2/ 833) .
[2] تفسير ابن كثير (5/ 515) .
[3] الجامع لأحكام القرآن (16/ 296) .
[4] أخرجه البخاري في المناقب باب: لو كنت متخذًا خليلًا (3673) .
[5] شرح النووي على صحيح مسلم (16/) .
[6] أخرجه مسلم في كتاب فضائل الصحابة باب تحريم سب الصحابة رضي الله عنهم (2541) .
[7] أخرجه الطبراني في الأوسط (5/ 94) والكبير (12/ 434) وقال الهيثمي في إسناد الاوسط:"رجاله رجال الصحيح غير علي بن سهل وهو ثقةَ"مجمع الزوائد (10/ 21) .
[8] أخرجه الطبراني في الكبير (3/ 174) وحسنه بمجموع طرقه الألباني في السلسلة الصحيحة (2340) .
[9] ذكره الحافظ ابن كثير في تفسيره (6/ 283) .
[10] انظر: جامع الأصول (9/ 408 - 409) .
[11] انظر: البداية والنهاية (9/ 349) .
[12] شرح الطحاوية (528) .
[13] الكبائر (235) .
[14] الصارم المسلول على شاتم الرسول (580) .
[15] الجامع لأحكام القرآن (16/ 299) .
[16] الأجوبة العراقية (49) .
[17] انظر الصارم المسلول (568) .
[18] المسند (1/ 9) .