فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 366

هذا الدين المنزل في كتاب الله. إنه يتخلل النفوس البشرية فيعيد ترتيب ذراتها, فتصبح قوي كونية وطاقات, بعد أن كانت مبعثرة من قبل, ضائعة في التيه.

فأي شيء في هذا الكتاب العظيم هو مصدر ذلك السر الذي يحول الخامات المبعثرة الضائعة إلي طاقات؟ أهو نسقه اللغوي المعجز؟ أهو قوة بيانه؟ أهو وضوح معاينة؟ أهو حديثه عن اليوم الآخر وما فيه من مشاهد تهتز لها أوتار القلوب؟ أهو تشريعاته وتوجيهاته وتنظيماته؟ أهو قصصه وأمثاله وعبره؟ أهو تذكيره الدائم بعظمة الله جل جلاله وقدرته المعجزة التي لا تحدها حدود؟!.

إنه ولا شك كل ذلك .... فكل حرف في هذا القرآن له دلالته في مكانه, وله جانبه من التأثير.

ولكننا لا نكون مخطئين إن قلنا إن أوسع موضوعات القرآن جميعًا هو موضوع الألوهية .... هو قضية لا إله إلا الله.

ولقد قلت في غير هذا المكان [1] ، إنه يخطر لنا لأول وهلة أن تركيز القرآن -وخاصة في السور المكية- علي هذه القضية سببه أن القرآن كان يخاطب بادئ ذي بدء قومًا مشركين, يشركون مع الله آلهة أخري, فكان من المناسب التركيز علي قضية"لا إله ألا الله"لتصبح عقائد أولئك المشركين ... ولكن استمرار القرآن في الحديث عن هذه القضية في السور المدنية, وفي الكلام الموجه للمؤمنين خاصة, الذين آمنوا واستقر الإيمان في نفوسهم حتى أنشأوا أمة مسلمة ودولة مسلمة, وجيشًا مسلمًا يقاتل في سبيل الله, قاطع الدلالة علي أن القضية لها أهميتها الذاتية, حتى لو كان المخاطبون مؤمنين! فالتركيز عليها ليس ناشئًا من إنكار المخاطبين بهذا القرآن أول مرة, إنما هو ناشئ من أنها هي المفتاح الذي القلوب البشرية للخير, وينشئ فيها الخير, ويربيها علي الخير, ويُنْتجُ منها الخير! وأنه لا يوجد مفتاح لهذه القلوب, يهيئها لما تهيئه لها لا إله إلا الله!.

وحين تكون القلوب منكرة تخاطب بهذه القضية لتتفتح للحق والخير ... وحين تكون مؤمنة تخاطب بها كذلك ليتعمق الإيمان فيها ويتجدد, لأنه الزاد الذي لا زاد سواه. انظر إلي هذا التوجيه للمؤمنين:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ} [سورة النساء 4/ 136] .

إنه يقول للذين آمنوا آمنوا! وهم مؤمنون بذات الأمر الذي يراد منهم الإيمان به! وذلك لكي يزدادوا إيمانًا ويحرصوا علي ما في قلوبهم من الإيمان!.

ولقد فعل الإيمان بـ"لا إله إلا الله"فعله في نفوس أولئك المشركين, فأنشأهم نشأة جديدة كأنها ميلاد جديد .... ثم فعل فعله في نفوسهم بعد أن آمنوا فأصبحوا ذلك الجيل الفريد الذي نزل في وصفه هذا التقرير الرباني:

{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [سورة آل عمران 3/ 110] .

(1) في كتاب دراسات قرآنية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت