فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 366

أي شئ في ذلك الجيل المتفرد هو غير قابل للتكرار, أو علي الأقل لم يتكرر حتى هذه اللحظة؟ أهو الخصائص الرئيسية التي تحقق الوجود الإسلامي في عالم الواقع, أم هي الدرجة العالية الفذة التي وصل إليها ذلك الجيل في تحقيق تلك الخصائص في عالم الواقع؟!!.

وتلك الظروف الخاصة التي أحاطت بنشأة ذلك الجيل ونقول إنها غير قابلة للتكرار .... ما دورها بالضبط؟ هل كان مجال تأثيرها هو إنشاء تلك الخصائص الرئيسية التي تحقق الوجود الإسلامي في عالم الواقع, أم هو في تلك الدرجة العالية الفذة التي وصل إليها ذلك الجيل في تحقيق تلك الخصائص في عالم الواقع.

أحسب أن القضية الآن أصبحت واضحة.

إن الخصائص الرئيسية التي تحقق الوجود الإسلامي في عالم الواقع مستمدة بكاملها من القرآن والسنة, أي: من العنصرين الدائمين في حياة المسلمين, المحفوظين بقدر الله ومشيئته.

فقد تكفل الله بحفظ كتابه المنزل, بينما ضاعت الكتب السابقة وحرّّفت:

{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9) } [سورة الحجر 15/ 9] .

كما تكفل بحفظ سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، بينما لم يبق من سنن الأنبياء السابقين إلا ما حفظه القرآن وحفظته سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

وفي هذين المصدرين كل"المواد"اللازمة لبناء الفرد المسلم والجماعة المسلمة والأمة المسلمة والدولة المسلمة في أي عصر من عصور التاريخ يرغب المسلمون في البناء, ويعزمون علي بذل الجهد اللازم له.

أما الذي صنعته الظروف الخاصة فهو تلك الدرجة الفذة في تحقيق الخصائص الرئيسية للوجود الإسلامي, المستمدة كلها من الكتاب والسنة .... وتلك الدرجة -لا الخصائص الرئيسية- هي التي لم تتكرر في التاريخ.

وتبقي الإجابة علي الشق الآخر من السؤال: إذا كانت تلك الدرجة التي تحققت بالفعل ذات يوم غير قابلة للتحقيق مرة أخري, لأنها نشأت من ظروف خاصة غير قابلة للتكرار, فما قيمتها في حياة الإسلام والمسلمين. أهي وجدت فقط لتظل حلما مهوّمًا يعرّّج عليه من أجل حلاوة الذكري ليس غير؟!.

كلا! إنها وجدت -بقدر من الله- لتظل نموذجًا يشد المسلمين إليه ليحاولوا تحقيقه في عالم الواقع .... وحين يحاولون فإنهم يرتفعون بالفعل, حتي وإن لم يصلوا -في مجموعهم- إلي ذات الدرجة التي وصل إليها هؤلاء؛ وإن كان التاريخ المشهود يقول إن أفرادًا من كل جيل يصلون بالفعل إلي ذلك المستوي السامق الرفيع, أولئك الذين نتوهج قلوبهم بنور الإسلام فيستطيعون أن يقبسوا من شخصية الرسول وأحداث حيات مثل ما كان يقتبس الصحابة رضوان الله عليهم بالمعايشة المباشرة, وان يحسوا --في أعماق نفوسهم- بالنشأة الجديدة علي نحو ما أحس الذين عاشوها أول مرة ... فينهلوا من الكتاب والسنة بمثل العمق الذي كان ينهل به الصحابة الكرام, ويحققوا في ذوات أنفسهم ما كانوا يحققون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت