فهرس الكتاب

الصفحة 75 من 366

ذلك أن الإسلام اليوم يعيش غربته الثانية التي تحدث عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ, فطوبى للغرباء" [1] .

فإن لم تكن الغربة الثانية مطابقة تمام المطابقة للغربة الأولي في جميع حيثياتها فإنها ولا شك تشبهها في أمور كثيرة جوهرية, أهمها أن منهج الله ليس هو الذي يحكم حياة الناس, وأن الأمر يحتاج إلي دعوة الناس من جديد إلي الإسلام, لا لأنهم -في هذه المرة- يرفضون أن ينطقوا بأفواههم لا إله إلا الله محمد رسول الله كما كان الناس يرفضون نطقها في الغرة الأولي, ولكن لأنهم في هذه المرة يرفضون المقتضي الرئيسي لـ"لا إله إلا الله",وهو تحيكم شريعة الله والامتثال لمنهج الله, وإن كان ألف مليون من البشر من المحيط إلي المحيط ينطقون بأفواههم كل يوم: لا إله إلا الله محمد رسول الله! وهذه هي حقيقة"الغربة"التي يعانيها الإسلام اليوم في الأرض, رغم ملايين المصاحف التي تطبع, ومئات المحطات الإذاعية والتلفزيونية التي ترتل القرآن ن وتذيعه علي الناس, وتشرحه -في الأحاديث والدروس الدينية- لمن شاء من الناس الاستماع!.

وفي الغربة تكون الحركة إنشاء جديدًا اكثر مما تكون مجرد إصلاح لما هو قائم بالفعل في نفوس الناس.

إن هذا الغثاء الذي يعيش بالملايين اليوم, والذي أشار إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حديثه:"يوشك ان تداعي عليكم الأمم كما تداعي الأكلة إلي قصعتها. قالوا: أمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: بل إنكم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ...." [2] .

هذا الغثاء لا يحتاج إلي مجرد وعظه وإرشاده, وتقديم حقائق الإسلام إليه في الدروس الدينية سواء في المسجد أو الإذاعة أو الكتاب أو المحاضرة, إنما يحتاج إلي انتشاله في الجاهلية التي تحيطه وتضغط علي حسه بثقل"الأمر الواقع"وتنشئته نشأة جديدة علي حقائق الإسلام, ليعيشه بالفعل, لا"ليتحدث"عنه أو"يفكر"فيه أو"يعجب"به أو"يتمناه"وهو قاعد عن العمل لتحقيقه.

والذي تقوم به حركات البعث الإسلامي اليوم هو هذا في حقيقته. هو نشأة جديدة في وسط الغربة. ومن ثم يتحقق لهذه الحركات عنصر من العنصرين الخاصين اللذين أسهما في صنع الجيل الأول, ولم يتكررا خلال ثلاثة عشر قرنًا من قبل, ويكون لهذا العنصر فاعليته الكاملة في نفوس الذين يعيشون هذه الحركات, ويجاهدون لإزالة الغربة الثانية كما جاهدت الجماعة الأولي من قبل لإزالة الغربة الأولي للإسلام.

أما العنصر الآخر وهو حضور الرسول - صلى الله عليه وسلم - بشخصه الكريم بين ظهراني الناس فهو بطبيعته لا يتكرر أبدًا إلي قيام الساعة. ولكنا نستطيع أن نزعم أن الذين يعيشون"النشأة الجديدة"بالعمق الحقيقي الذي تحدثثه في النفوس, ولا تفتنهم جزئيات من حقائق الإسلام فتشغلهم عن جوهره, ولا عن حقيقة المعركة التي يخوضها

(1) أخرجه مسلم.

(2) أخرجه أحمد وأبو داود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت