من كتابه الكريم، قال تعالى: (ولقد ءاتينا موسى الكتب وقفينا من بعده بالرسل وءاتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقًا كذبتم وفريقًا تقتلون * وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلًا ما يؤمنون * ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين * بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيًا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده فباء وا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين * وإذا قيل لهم ءامنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقًا لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين * ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون) (البقرة: 87 - 93) .
وقال سبحانه وتعالى: (لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة * رسول من الله يتلو صحفًا مطهرة * فيها كتب قيمة * وما تفرق الذين أتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة * وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة * إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية * إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية * جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه) (سور البينة) .
وحقيقة هذا الأمر أنه بعد ما فشل أعداء الإسلام في رهانهم على حركة الردة لوأد الإسلام داخل الجزيرة العربية لجأوا إلى الخيار العسكري الذي كان وبالًا عليهم، حيث انهارت جيوش الروم وفارس في اليرموك والقادسية ونهاوند وغيرها من المعارك التي كان من نتائجها سقوط دولة الفرس وطرد الروم من الشام ومصر، عند ذلك أيقن سدنة الجاهلية بفشل الخيار العسكري في وقف مواكب الإيمان القادمة من جزيرة الإسلام، فعمدوا إلى اغتيال الفاروق - رضي الله عنه - بمؤامرة نفذها أبو لؤلؤة المجوسي حتى تنشغل الأمة عن الجهاد بمشكلاتها الداخلية، ولكن المخطط لم يسر كما أراد له أعداء الإسلام، فقد بايع المسلمون عثمان بن عفان - رضي الله عنه - بعد استشهاد عمر - رضي الله عنه - وعادت رايات الجهاد في عهده كما كانت من قبل، بل إن عهد عثمان - رضي الله عنه - شهد ركوب المسلمين البحر للمرة الأولى فأصبحوا يجاهدون المشركين في البر والبحر معًا.
أمام هذه الفشل الذريع الذي حصده أعداء الإسلام في صراعهم مع المسلمين نجدهم يتجهون إلى تفعيل سلاحهم المفرق للصفوف والجماعات ألا وهو سلاح النفاق، حيث قامت طائفة منهم بزعامة اليهودي عبدالله بن سبأ، بادعاء الإسلام من أجل هدمه من الداخل، وهي الخطة نفسها التي طبقها اليهودي (بولس) من قبل مع أتباع عيسى عليه السلام، وملخص ذلك أنه عن طريق الغلو في عيسى عليه السلام تمكن اليهودي (بولس) الذي انتحل النصرانية، من إدخال الشرك على أتباع عيسى عليه السلام بعد أن رفعه الله سبحانه وتعالى إليه، وبذلك تمكن من إفساد عقيدتهم، وحرفهم عن ملة التوحيد.