وكذلك من مبالغات أهل الحديث في رجالهم قولهم عن الرّجل: (كلّ حديثٍ لا يعرفه فلان فليس بحديث) . وهذه العبارة كثر ترديدها في مدح بعض المحدّثين، وهذا لا يقع أبدًا، فإنّ الإمام الشّافعيّ رحمه الله تعالى نبّه في كتابه العظيم "الرّسالة" إلى خطأ هذا القول، وقال في ص139: "والعلم به (أي لسان العرب) عند العرب كالعلم بالسّنّة عند أهل الفقه... لا نعلم رجلاّ جمع السّنن فلم يذهب منها عليه شيء".
وصار نموذج المحدّث المتفرّغ للحديث هو النّموذج المقتدى، فهو رجل لا تشغله شاغلة، وليس له من همٍّ إلاّ الرّواية وجمع الأسانيد، فهذا الإمام أبو بكر ( الخطيب البغداديّ) عليه رحمة الله تعالى، كان حريصًا على علم الحديث، وكان يمشي في الطّريق وفي يده جزء يطالعه، انظر المنتظم لابن الجوزي (8/267) . صلى الله عليه وسلموهو نهمٌ مشروع بل محبوب عند الله تعالى، ولولا هذه الهمّة العالية ما وصل إلينا دين الله تعالى، ولكنّ السّؤال: هل أبوبكر الخطيب البغداديّ هو نموذج المسلم في كلّ زمان؟ وهل إذا وقعت بالمسلمين المصائب والرّزايا ووجب على المسلمين جميعهم واجب، لم يكن لهم أن يخرجوا عن مثال الخطيب رحمه الله تعالى؟.
وهل علينا أن نصنع كما صنع أبو حامد الغزالي وقت الحروب الصّليبية، عندما اعتزل في بيت المقدس السّنين الطّويلة وهو متفرّغ لذكر اسم الله المفرد للوصول إلى لحظة العرفان والجذبه، والمسلمون يذوقون أقصى البلايا على يد الصّليبيين الكفرة؟!.