وكذلك عندما يقرأ المرء هذه السّير يستقرّ في ذهنه صورة مشوّهة وقاصرة، ولا تكشف لك سير الحياة الصّحيح للبشر في حركتهم ومعيشتهم لأنّها تقتصر في أخبارها على ما تريد من شخصيّة المترجَم، فالعابد لا تسوق لك من أخباره إلاّ العبادة فلو سألت مثلًا: كيف كان يأكل هذا الرّجل؟ وهل تزوّج؟ وهل كان يعاشر زوجته وأبناءه؟ وهل كان يتاجر؟ وهل ماكس في سعر بضاعته؟ وهل خاصم أحدًا؟ وهي أمور لا يمكن أن تخلو منها بشريّة إنسان كائنًا من كان، وهي لا تذكر في سير هؤلاء الأئمّة لأنّها ليست بشيء، ولا قيمة لذكرها. ولكننا لو عدنا إلى النّموذج الأوّل وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلى التّراجم الحقيقيّة لهم وليست تراجم المتأخّرين الّتي غلب عليها المبالغة والتّهويل، لرأينا الصّورة الحقيقيّة لحركة الإنسان، وهي الصّورة الحقيقيّة لمثال الإسلام الصّحيح.
وقد سيقت أخبارهم - رضي الله عنهم - وأخبار إمامهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مع ما فيها من بشريّة حقيقيّة، ومثالًا جامعًا لأنّها دين، وهي تشريع لكلّ زمان ومكان، فحينئذٍ لا ترى التّهويلات الّتي لا مكان لها في حياة البشر، فليس هناك الصّحابيّ الّذي لا يضحك أبدًا، وليس هناك الصّحابيّ الذي لا يخاصم أحدا أبدا، وليس هناك الصحابي المعتزل حياة النّاس وحركتهم، وليس هناك (مدينة الموت) التي لا يوجد فيها صخب الأسواق وخصومة ا لباعة ومنازعة الحقوق، بل ترى الحياة بكل صخبها وكل حركتها، وترى بشرية الإنسان بما فيها من نوازع ورغبات وشهوات.
فلو قرأت صحيح الإمام البخاري وصحيح مسلم لرأيت الحياة الحقيقية والنموذج الحقيقي الواضح للإنسان النموذجي، وللإسلام عندما يطبق.
حينها ترى عبادة العباد بصورة صحيحة وترى جهاد المجاهدين بصورة صحيحة، فأنت حين ترى المسجد وما فيه من عبادة الصحابة، ترى فيها بشرًا يضحكون ويتسامرون ويختصمون، بل ويتضاربون بالنّعال.