وإنّ من أعظم معوّقات حصول العلم النّافع الدّافع للعمل هو التّقليد، لأنّه ليس للمقلّد ثقة فيما قلّد، فتجذُّر العلم في نفسه، ووضوحه وجلائه لا يكون بمرتبة واحدة بين المقلّد الواهم الظّانّ وبين المتّبع الباحث الجادّ.
وقلنا في العدد الفائت أنّ الحركة السّلفية بقيادة شيوخها الأوائل انتكست في مهدها في ترسيخ مبدأ عدم التّقليد، وضربنا على ذلك الأمثلة.
ثمّ رأينا أنّ هذه الحركة قد فشلت فشلًا ذريعًا في تجلية مقاصد النّاس في تحقيق المراد والهدف، وهذا الفشل وقع عن طريق لمّات إبليس في إفراز أساليب جديدة في تحصيل العلم، ولمّات إبليس في بثّه ونشره وإليك الشّرح والبيان: (إنّ هذا العلم دين) هذا هو شعار المسلم على مدار التّاريخ، فطلبه له دين، وبثّه في النّاس دين، هذا والدّين مرتبط دومًا بيوم الدّين (أي يوم القيامة) . وكانت قوّة العلم في نفس المسلم تكتسب عن طريق جهده وتعبه لتحقيق عبودية الله في نفسه، فهو يتعلّم لتحقيق دين الله في نفسه وفي النّاس، وعلى هذا كان أهل العلم دوما يمنعون ولوج أهواء البشر وشهواتهم في هذا الدّين، وإنّ من اعظم البشر أهواءً وشهواتٍ هم الحكّام والسّلاطين، فالحذر منهم واجب، والحرص من عدم ولوغهم في هذا الدّين مهمّة ضروريّة، ولكنّ الدّعوة السّلفية لم تتجنّب هذا، وذلك عن طريق صور متعددة واضحةٍ وضوح الشّمس في رابعة النّهار. والآن كيف استطاع الحكّام إفساد العلم وأهله؟.
إنّ من أعظم المصائب أن يصبح العلم مرتبطًا بالحكّام، حتّى لو كان الحاكم مسلمًا، فأوّل الطّرق لإفساد هذا العلم أن يصير العلم يشهد لصاحبه عن طريق القانون الحاكم ودستوره.