فهرس الكتاب

الصفحة 123 من 611

فكان الرّجل إذا استجاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل في التّوحيد، قطع علائقه الأولى، وخرج خروجًا نفسيّا ووجوديًّا من أيّ ارتباط سابق، كرابطة العائلة أو القبيلة أو غيرهما وانضوى تحت الجماعة الجديدة، وارتبط بها ارتباطً كليًّا، ولاءً، ونصرة، وامتثالا لأمرها، وإحساسًا بها، وعطفًا عليها، وتمثّل هذا بقوله صلى الله عليه وسلم: (( المسلم للمسلم كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمّى والسّهر ) ). وعلى هذا فليس من غريب الأمر أن يكون شعار المسلم الصّادق هو الانضواء تحت شعار أهل السنّة والجماعة وقد كثر حديث الأوائل عن المفاهيم السنّية التصوّريّة في مسائل العقائد، فألّفوا فيها ما يسمّى بكتب العقائد، وذلك لتجلية مسائل السنّة التّصوّرية كما هي، والرّد على المخالفين من أصحاب العقائد الّتي زعمها الآخرون أنّها من دين الله تعالى كعقائد المعتزلة والجبريّة والرّافضة والخوارج وغيرهم، لكن بقي موضوع الجماعة على غير تفصيل في هذه الكتب لأنّ الجماعة الّتي كانت تحتاج إلى بيان في عصرهم هو موضوع الإمام الممكّن ومدى شرعيّة الخروج عليه ببغيٍ أو بفسق، وكذلك مدى شرعيّة إمامة المفضول مع وجود الأفضل، وغيرها من المسائل الشّرعيّة الّتي تبحث في هذا المضمار، ومع أنّ فقه أهل السنّة لا يوجد فيه إجماع على هذه المسائل إلاّ أنّه استقرّت بعض المعالم وخاصّة تلك الآراء الّتي تبنّاها وبثّها الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله - في حادثة فتنة خلق القرآن، لكن لو رجعنا إلى عبارات الأئمّة في تفسير معنى الجماعة لرأينا لها مفهومين اثنين، وليس مفهومًا واحدًا وهما:

المفهوم الأوّل: المسلمون المنضوون تحت راية إمام ممكّن سواء كان هذا إمام عامّة أو غير ذلك، وهذا هو الذي كثر الحديث فيه في كتب السّياسة الشّرعيّة وكتب العقائد كقولهم: ولا نرى الخروج، أو: نقاتل تحت راية البرّ أو الفاجر، وغير ذلك من القواعد السّنية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت