المفهوم الثّاني: أهل الحقّ، وهذا المفهوم دائرته أضيق من الدّائرة الأولى، ولذلك قال ابن مسعود رضي الله عنه:"الجماعة ما وافق الشّرع وإن كنت وحدك".
وهذا المفهوم يتحدّث عن جماعة صغرى في داخل الجماعة الكبرى (الدّولة والخلافة) ، وهي لا تندثر ولا تزول لا بوجود الجماعة الكبرى ولا بزوالها، بل بقاؤها الشّرعيّ القدريّ فريضة وضرورة، وانفراط أمرها هو المصيبة الكبرى، والطامّة العظمى، بل إنّ أمر الجماعة الكبرى (الدّولة) مرهون وجوده بوجود هذه الجماعة، فالجماعة الكبرى (الدّولة) قد تزول وتسقط، فمن الّذي يعيد بناءها ووجودها؟ إنّهم بلا شكّ جماعة الحقّ وأهل الهدى، وهذا كلّه داخل في قوله تعالى: {ولتكن منكم أمّة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون} ، قال القاضي عياض: فلو طرأ عليه كفرٌ-أي حاكم الدّولة- وتغيير للشّرع أو بدعة خرج عن حكم الولاية، وسقطت طاعته، ووجب على المسلمين القيام عليه وخلعه، ونصب إمام عادل إن أمكنهم ذلك، فإن لم يقع ذلك إلاّ لطائفة وجب عليهم القيام بخلع الكافر. ا. هـ. شرح مسلم (12/229)
وأمّا إذا كانت الجماعة الصّغرى (أهل الحقّ) لا وجود لها فإنّ عودة الدّولة هو أمر لا يتصوّر وقوعه أبدا.
ثمّ إنّ الجماعة الكبرى (الدّولة) قد يصيبها بعض الوهن والضّعف، فتقصّر في تطبيق الأحكام، لبعض العوارض، وقد تفشو في الدّولة المنكرات، ويغلب عليها إرادة الفسّاق، أو الّذين لا خلاق لهم، أو قد تتبنّى الدّولة بعض البدع الفاسدة، وتدعو النّاس إليها، فمن الّذين يقومون بمعالجة ذلك كلّه؟ بلا شكّ أنّها جماعة الحق (الصّغرى) .
وهذا كلّه كما قلنا سابقًا داخل في الآية: {ولتكن منكم أمّة...} وهذه الآية عامّة لا تخصيص لها، سواء بوجود الإمام الممكّن أو بعدم وجوده.