وقد وجد في تاريخنا الإسلاميّ المجيد هذه الصّورة التي أحاول رسمها، وهي وجود الجماعة الصّغرى بكلّ ما يعني لفظ الجماعة من معنى، مثل معنى التّحزّب أو التّنظيم، مع وجود القوّة الرّابطة الجامعة لهذه الجماعة والحزب، فكانت بينهم العهود والبيعات على الحقّ، وكان منهم من يختار الأمير والقائد، وهكذا تقوم بكلّ ما التقت عليه وتبايعت لحفظه أو لإعادته.
ولعلّ أوضح صورة بيّنت أهمّية هذا التّكتّل والتّجمع النّاتج عن ضعف الدّولة واهتزازها هو ما حصل زمن الحروب الصّليبيّة، ففي زمنها كان أمر الخلافة صوريّا لا حقيقة له، وهي كما قيل: خليفة في قفص، بين وصيف وبغا، لا يقول إلا كما تقول الببغا، وتوزّعت الولايات الإسلاميّة مشتتة موزّعة، لا خيط يجمعها، بل صار بينها من التّناحر والتّخاصم ما وصل إلى درجة الحروب والاقتتال، وفي هذا الظّرف العصيب من التّفرّق والتّنازع، قدم على المسلمين وافد من وراء البحار، حمل معه شهوة القتل والاستئصال، ومعه أمل الاستيطان والبقاء، يحمل راية الصّليب، تغذّى بوري الكبد، وتعاليم الخرافة، وقد استطاعوا أن ينتصروا في المعركة الأولى، أو المعارك الأولى، واستقرّوا في كثير من المدن والجيوب الإسلاميّة، وكن على ذكر أنّه لم يكن للمسلمين ولاية عامّة، ولا تجمّع واحد، هذه الصّورة كيف عالجها أهل الإسلام؟.