وأمّا ابن حزم - رحمه الله تعالى - فقد جعل انتشار لغة ما، وسيطرتها منوطا بقوّة أصحابها وظهور أمرهم. قال في كتابه"الإحكام في أصول الأحكام":"إن اللغة يسقط أكثرها ويبطل بسقوط دولة أهلها، ودخول غيرهم عليهم في مساكنهم، أو بنقلهم عن ديارهم واختلاطهم بغيرهم، فإنّما يقيّد لغة الأمّة وعلومها وأخبارها قوّة دولتها، ونشاط أهلها وفراغهم، وأمّا من تَلِفت دولتهم وغلب عليهم عدوّهم، واشتغلوا بالخوف والحاجة والذّل وخدمة أعدائهم، فمضمون منهم موت الخواطر، وربّما كان ذلك سببًا لذهاب لغتهم، ونسيان أنسابهم وأخبارهم وعلومهم، هذا موجود بالمشاهدة ومعلوم بالعقل ضرورة" (1/32) . فانظر - حفظك الله - إلى عِظم أمر الشّوكة والقوّة، وهما لا يتمّ أمرهما إلاّ بدولة وسلطان. وعلى هذا فإنّ الإسلام لن يبقى له وجود حقيقيّ إلاّ إذا تسارع أهله في إحياء الدّولة.
ثانيًا: كثيرًا ما يضع البعض أمورًا متعدّدة بصورة متعارضة، وهي لا تعارض بينها أبدًا، بل قد تكون مكمّلة له ومتمّمة لأمره، وذلك مثل قول بعضهم: هل الأولى طلب العلم أم الجهاد؟ وهذا سؤال خطأ، فإنّه لا تعارض بينهما، فالمسلم يجاهد ويتعلّم.
وكذلك في مثل هذا الأمر، يسأل البعض: هل الأولى أن ننشغل يأمر العقيدة أم بأمر إحياء الدّولة والدّعوة لها؟ وهما في الحقيقة لا يتصوّر فهم أحدهما إلاّ بفهم الآخر، فدولة الإسلام هي من تمام فهم التّوحيد، لأنّها تعني البراءة من الكفر وأهله، ثمّ هي تعني موالاة المؤمنين ونصرتهم، وعلى هذا فأغلب الّذين لا يفهمون حقيقة التوحيد لا يهتمون كثيرًا بأمر الجماعة الكبرى والإمامة العظمى، وترى عامّة حديثهم في غير الأصل.