ولتفسير كلام الشاطبي نقول: إن الآية فيها أمر من الله تعالى للمؤمنين أن لا يقبلوا الدنية في دينهم، وأن عليهم أن يبذلوا أقصى طاقاتهم لمنع حصول الذل، فإن حصل ظهور للكفرة عليهم فهو دال على أنهم قصروا في تطبيق أمر الله، فهنا في الآية على الصحيح أمر إلهي ووعد إلهي كذلك؛ أما الأمر: فهو أن يكونوا مؤمنين، والإيمان هنا يعني المدافعة والقتال وطلب الظهور والعزة، وهذا راجع إلى مفهوم أهل السنة لمسمى الإيمان، وقد وقع المعلق على كتاب الشاطبي وهو الأستاذ الفاضل عبد الله درّاز في خطأ حين ظن أن الآية بعريّها عن قوله: وعملوا الصالحات، تحمل على معنى آخر، وذلك لظنه أن الإيمان هنا هو الحكم وليس الدرجة والمرتبة، والصحيح أن قوله سبحانه وتعالى في هذه الآية (المؤمنين) هي قيامهم بواجب الإيمان وهو واجب الدفع والمدافعة، ومثل هذه الآية قوله صلى الله عليه وسلم: (( إذا تبايعتم بالعينة، واتبعتم أذناب البقر، وتركتم الجهاد في سبيل الله سلط الله عليكم ذلا لا يرفعه إلا أن تعودوا لدينكم ) )حديث حسن، فمعنى الدين هنا هو معنى الإيمان في الآية السابقة، وهو الجهاد. فإن الذل لا يرفع بالصلاة، ولا بالزكاة، ولا بالحج، ولا بالذكر، وكلها دين وتساعد في رفع الذل، ولكن الذل لا يرفع إلا برفع السبب الذي حصل به الذل وهو ترك الجهاد في سبيل الله تعالى. قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (( ما ترك قوم الجهاد إلا ذلّوا ) ). وعليك أخي المسلم أن تتنبه إلى التنكير الموجود في قوله صلى الله عليه وسلم: (قوم) ، لأن ترك القتال من قبل قوم (أي قوم) يؤدي إلى الذلّة، ومثله قوله صلى الله عليه وسلم: (( ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا ) ).