فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 611

وعلى هذا فإن الآية تطلب من المؤمنين أن يكونوا مؤمنين أي مجاهدين، كقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا آمنوا} ومثل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات} وكقوله: {يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا} وغيرها كثيرا من الآيات العظيمة ولا يظنن ظان أن قوله: {خذوا حذركم} وقوله: {اصبروا} هو أمر زائد عن مسمى الإيمان فإن هذا من غلط أهل البدع وفسادهم، لأنهم يقولون: إن الإيمان هو قول القلب فقط وبعضهم يزيد للدلالة على قول القلب قول اللسان. ولما انتشرت هذه البدعة المبيرة في الناس وهو قولهم: إن الإيمان في القلب. ذهبوا في تفسير هذه الآيات مذاهب شتى وكلها باطلة، فحملوا قوله تعالى: {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا} على مفهوم الوعد فقط فقالوا: إذا حصل إيمان القلب (أي تصديقه) فإن الله سيدافع عنهم بقدرته دون أفعالهم (لأنها لم تذكر في الآية) . فنسبوا إلى قول الله الخلف في وعده لما يرونه من الواقع الذي يكذبهم.

أما أنها وعد: فنعم، ولكن على المفهوم الذي تقدم، فإذا قام عباد الله بواجب الدفع والمدافعة، وشرعوا بالجهاد، واستكملت لهم أدواته، فلا بد أن يقع الوعد الإلهي لأن السبب والأثر -في حياة المؤمن- لابد من تلازمها، والتلازم بينهما تلازم مطلق في باب الوعد، بخلاف باب الوعيد، فالتلازم بينهما ولكنه غير مطلق.

والنتيجة: إذا تخلف الوعد دل لزوما على تخلف الأمر في نفس المكلف.

فهل بعد هذا يقول قائل ما معنى ظهور الباطل؟ إن ظهور الباطل مازال يعني غياب الحق. والحق هو الأمر وامتثاله. وظهور الحق هو وعد ترتب على اكتمال الحق وتمامه.

البيان الثاني: إن ظهور الباطل حينا هو مظهر من مظاهر الحكمة الربانية. فإنه لا يقع شيء في الكون إلا لحكمة، وفيه قصد إلهي عظيم ولو ذهبنا نستكشف الحكم الإلهية لضاق بنا المقام، ولكن لنسوق بعضها فيما تحتمله هذه الورقات:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت