مصادمتها الشّقّ الذي يعلّق عليه المرجئة حكم الإيمان وحكم الكفر، وتبقى مسألتها دائرة في دائرة المعصية فقط، إذ يمكن للرّجل أن يكون علمانيًّا، ولا يقدح في شيءٍ من إسلامه وعقيدته، وقد يكون الرجل ديمقراطيًّا مسلمًا، ورأسماليًّا مسلما،... الخ هذه القائمة السوداء. ولا يرى أنّ هناك مصادمة في هذه الثّنائيّة! فمن هو هذا الرّجل الذي يستطيع أن يطلق وصف الكفر على رجل يصوم ويصلّي ويؤمن بالغيب، ويصدّق ببعثة الرسول صلى الله عليه وسلم ويؤمن بأنّ القرآن هو كلام الله، ويبكي إذا ذكرت النّار، ويفتح كلامه بالحمد له والصّلاة وغيرها، ولكنّه يمارس العلمانيّة في شقّ من أحكامها وقضاياها، ويتبنّاها منهج الحياة، كالديمقراطيّة أو الرأسماليّة أو الحريّة الاجتماعية؟ بل من الذي يستطيع أن يكفّر رجلًا يؤمن بعلمانيّة الدّولة على قاعدة اختيار الشّعب لسلطاته الثّلاثة: التّشريعيّة، والقضائيّة، والتّنفيذيّة؟.
ومن هنا استطاعت العلمانيّة - الردّة - أن تبسط سلطانها على المسلمين دون أن تجد اعتراضًا من مرجئة المسلمين، إلاّ اعتراضًا بمقدار تسمية ما يقوم به العلمانيّ من أعمال أنّه عاص لله فقط، ولكنّه لا يخرج من دائرة أهل الإسلام، بل ربّما يردّ عليك المرجئ أنّ هذه المعاصي التي تقترفها الدّولة لا تزيد عن كونها شبيهة بمعصية الحجّاج بن يوسف الثّقفيّ، أو بمعاصي دولة المماليك أو الدّولة العثمانيّة. فدولتنا فيها الخمر وفيها الرّبا وفيها الزّنا وكذلك الدّولة العبّاسيّة والمماليك والعثمانيّة؛ ونحن نقرّ أنّها معاصي وذنوب، ولكن أن يتعلّق بهذه المعاصي كفر وإسلام، فهذا لا يجوز، وهذا الحكم انحرافه كبير في فهم الدّين أوّلًا، وانحراف آخر يوازيه في فهم الواقع الذي أطلق عليه الحكم.