لا يستطيع أن يكفّر كلّ شيوعيّ، فبعض الشّيوعيين يصلّون الصّلوات الخمس، وكذلك الشّيخ السّلفيّ محمّد بن إبراهيم شقرة - بعد زيارته لموسكو قبل سقوط الشّيوعيّة - اعترف أنّه لا يستطيع أن يكفّر الشّيوعيين لأنّه اكتشف أنّ بعض الشّيوعيين الحمر يصلّون.
قلنا: إنّه من السّهل أن يعلّق مشايخنا أحكام الكفر والرّدّة على شقّ التّصوّر والتّصديق (وهو ما يسمّى بالاعتقاد) ، لأنّه هو الذي يتعلّق بمسمّى الإيمان عندهم، وعليه فقط يعلّق حكم الكفر كذلك. وأمّا شقّ الأحكام والقضاء، لمّا كان لا يدخل في مسمّى الإيمان عند المرجئة، ولا يعلّق عليه حكم الكفر والردّة، فإنّ من فرض منهجًا يتعلّق بالأحكام والقضاء دون تدخّلٍ في التّصوّر والتّصديق فلن يكفّره أحد، أو يكتشف ردّته إلاّ من برّأه الله تعالى من جرثومة الإرجاء الخبيثة، وعلى هذا لمّا جاءت العلمانيّة - وهي دين - ولم تقترب من قريب أو بعيد في مسائل التّصوّر والتّصديق، بل تركت للنّاس حرّيّة اختيار هذا الشّق، وربّما دعمت اختيارك وساعدتك، فكونك تؤمن بالغيب أو لا تؤمن بالغيب، أو كون الرّجل يصدّق باليوم الآخر أو لا يصدّق، يؤمن بعذاب القبر أو لا يؤمن، كلّ هذه الأمور وغيرها بدءًا من وجود الله تعالى إلى أيّ قضيّة في مجال التّصديق والتّصوّر (الاعتقاد) فإنّ العلمانيّة لا تعارضك في ذلك كلّه، ولكنّها تتدخّل بقوّة فيما يتعلّق بشقّ الأحكام والقضاء، فهي تفرض دينها في السّياسة، وتطرح دين الديموقراطيّة، وهي تفرض دينها في الاجتماع، وتطرح دين الحرّية الاجتماعية، وهي تفرض دينها في الاقتصاد، وتطرح دين الرأسماليّة. فالعلمانيّة دين شامل لكلّ الحياة، كالشّيوعيّة والنّصرانيّة والبوذيّة... الخ. إلاّ أنّها في مسائل التّصوّر والتّصديق تترك للنّاس حرّيّة اختيارهم (لعقائدهم) مع شيء من الهامش لبعض أعمال النّسك، إذا فهمنا هذا أدركنا أنّ العلمانيّة استطاعت تمرير نفسها على أمّتنا لعدم