فهرس الكتاب

الصفحة 226 من 611

1 -إعادة العقد الجامع لشتات المسلمين، أي دولة الخلافة الضّائعة: فلمّا سقطت الخلافة انفرط عقد الأمّة، فلم تعد تستحقّ اسم الأمّة، نعم هناك مسلمون في أرض الشّتات، وهناك عبّاد وقوّام، وزوامل علم وحجّاج، وذاكرون وذاكرات، ولكنّ كلّ هؤلاء لا يدخلون أبدًا في مسمّى الأمّة، فلا يوجد هناك أمّة إسلاميّة، لأنّ أوّل مقوّمات الأمّة لا توجد بين هذه الحبّات المتناثرة بلا ضابط، ولا حبل جامع، ونعني بها وجود الدّولة، فليس للمسلمين دولة ولا شوكة ممكّنة، ولا منعة حافظة، وقد بذل الكفر جهودًا متتالية في دفع دولة الخلافة وإسقاطها، كرَّ المرّة تلو المرة، حتّى كان له ما أراد، ولكن والحقّ يقال: إنّ العوامل الدّاخليّة في دار الإسلام، عوامل الهزيمة والانحطاط، هي السّبب الرّئيسيّ لإسقاط هذه الدّولة، فليس ما عمله الكفّار بمعادل ما عملته الأمّة بنفسها، فلو نظرنا نظرة فاحصة إلى صورة المجتمع الإسلاميّ في دار الإسلام قبل إزالتها، لوجدنا أنّ هذه الدّار كانت تفيض بعوامل الانحطاط والتّخلّف، ومن أهمّ هذه العوامل هو فساد التّصوّر العقديّ، إذ انتشرت في الأمّة جرثومة الصّوفيّة، هذه الصّوفيّة التي ما دخلت في أمّة من الأمم إلاّ جعلتها أثرًا بعد عين، الصّوفيّة التي شغلت النّاس في الوصول إلى حالة العرفان والجذبة، فأرهقت المرء المسلم في سعيه لهذه الخيالات الجنونيّة، وعطّلت المسلم عن البحث والنّظر، لأنّ الصوفيّ يظنّ أنّه بمجرّد وصوله لهذه المرتبة سيدرك حقائق الأشياء، وسرّ الكون، فلا ضرورة إذن للسّعي والجدّ في اكتشاف سنن الكون والحياة، لأنّ الصّوفيّة تؤمن أنّه بمجرّد كون الرّجل وليًّا عارفًا فإنّه سيملك ناصية هذا الكون، فسيتحكّم في سننه من أمراض وظواهر كونيّة من ماءٍ ونار ومطر ورعد، وسيكون مالكًا لإكسير الحياة وسرّ الأشياء، وسيسيطر على حجر الكيمياء، هذا الحجر الذي يستطيع مالكه أن يغيّر الأشياء وحقائقها، فبه ينقلب الحديد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت