أمّا القسم الأوّل فلا ينظر فيه إلى المقاصد والنّيّات، ومثاله من سبّ الله تعالى أو رسوله صلى الله عليه وسلم فهذا فعل كفر وردّة، بغضّ النّظر عن قصده، لأنّ هذا الفعل لا يحتمل إلاّ معنى واحد وهو الخروج من الإسلام، فلو قال رجل أنا أسبّ الله ومع ذلك فأنا أعترف بألوهيّته وربوبيّته، فلا قيمة لقوله هذا، لأنّ ذات السبّ ناقض للتأليه في كلّ وجه، وممّا ذكره أهل العلم كذلك للتّفريق بين تبيين القصد أو عدم تبيينه سبّ الصّحابة رضي الله عنهم، فإنّ من سبّ أحدًا من الصّحابة فإنّه لا يكفر (إلاّ من اتّهم عائشة رضي الله عنها بالفاحشة فإنّه يكفر لتكذيبه القرآن) ، لأنّ من سبّ أحدًا من الصّحابة له وجه وهو عدم التّكفير، كما كان بعض الصّحابة يسبّ بعضهم بعضا لأمر اجتهاديّ أو لأمر دنيويّ، أمّا من سبّ جميع الصّحابة فإنّه لا وجه لسبه إلاّ أنّه مبغض للإسلام وأهله ولا وجه له آخر يحتمله، وكذا قاتل النّبيّ فلا يقال له: هل قتلته وأنت مكذّب بنبوّته أم مصدّق لها ولكنّك لا تريد متابعته؟. أم هل قتلته نفيًا لنبوّته أم لقضايا شخصيّة بينك وبينه؟ وسبب عدم النّظر إلى المقصد أنّ الفعل لا يحتمل إلاّ معنى واحدًا وهو الكفر والدّلالة على الكفر (ولا نقصد هنا بقولنا الدّلالة على الكفر أي على الكفر القلبيّ بمعنى نفي التّصديق كما تقول المرجئة) . فإذا كان الفعل لا يشير إلاّ إلى اتّجاه واحد فلا قيمة للمقاصد، أمّا إذا كان الفعل محتملًا فلا بدّ من سؤال الفاعل عن قصده، ومثاله: لو أنّ رجلًا سبّ دين رجل مسلم فهل نكفّره بمجرّد سبّ الدّين؟ أم أنّنا لا بدّ أن نسأله عن مراده في كلمته ههنا؟ فإن قصد دين الإسلام فهو كافر، وإن قصد دينه (أي سلوكه والعمل الذي ينتهجه) فلا يكفر لهذا المعنى، ومن الأمثلة القويّة على هذا الأمر هو حكم الجاسوس؛ فقد اختلف العلماء في حكم الجاسوس المسلم فبعض أهل العلم يرى أنّ هذا الفعل مكفّر وفاعله مرتدّ، وحكمه حكم