هذه القواعد التي قالها الشّافعيّ لم يخالف بها أحد من أهل الملّة قبل يومنا هذا إلاّ ما تقوله الباطنيّة، وهي التي تجعل الرّابط بين اللفظ والمعنى ليس هو الوضع اللغويّ، وإنّ قواعد استنباط الحكم الشّرعيّ من اللفظ ليست هي قواعد البيان، بل هي عندهم راجعة إلى سلطة أخرى غير سلطة البيان، مثل قواعد شيوخهم، وهؤلاء لا خلاف بين أهل الملّة في كفرهم وزندقتهم، حتّى المعتزلة لا يفترقون عن أهل السنّة في هذه القاعدة، وهو وجوب إرجاع تفسير النّصوص إلى قواعد البيان العربي، يقول الجاحظ وهو معتزلي: للعرب أمثال واشتقاقات وأبنية وموضع كلام يدلّ عندهم على معانيهم وإرادتهم، ولتلك الألفاظ مواضع أخرى، ولها حينئذ دلالات أخرى، فمن لم يعرفها جهل تأويل الكتاب والسنّة والشّاهد والمثل. ا. هـ. كتاب الحيوان (مج4 ص289) . فهو يجعل البيان العربي هو أساس وقاعدة تفسير النص، ولكنّه بصفته معتزليّا شطّ في فتح باب، أو لنقل وسّع بابًا كان ضيّقًا، وهو أنّ الأصل في الألفاظ الحقيقيّة ولا يصار إلى غيرها إلاّ على استحالة حملها على الحقيقة ووجود القرينة. وهو الذي سمّاه المتأخّرون المجاز - فإنّه قال: ولتلك الألفاظ مواضع أخرى ولها حينئذٍ دلالات أخرى...الخ قوله. ولكن لم يختلف معنا المعتزلة في أساس سلطة البيان، فيقول الزّمخشري: وما يميّز به - أيّ إنسان - من سائر الحيوان من البيان هو المنطق - أي الكلام - الفصيح المعرب عمّا في الضّمير. ا. هـ. الكشّاف (4 ص442) .