وهذا القسم الرّابع من أقسام البيان هو الذي تنكره الظّاهريّة، ومن جهلهم به حكموا أنّ مستويات البيان في الدّلالة واحدة لا فرق بينها، أي بين ما يعلم نصًّا وما يعلم اجتهادًا، واختلاف النّاس في توسيع دائرة السنّة وتقنين الشّروط في الأخذ بها هي التي تفرّق النّاس بين أثريّين وآرائتيّين، فكلّما وضعت ضوابط أكثر على السنّة كلّما قلّ الأخذ بها، وبهذا تتّسع دائرة الرأي، وكلّما أكثرنا الأخذ بالسنّة تقلّصت دائرة الرأي، وقاعدة الشّريعة تقوم على الاتّباع وتقليل الرّأي والاجتهاد.
نعود إلى ما سمّي بقواعد البيان التي سمّيت بعد ذلك بأصول الفقه، كون أصول البيان وقواعده هي نفسها قواعد استنباط الحكم الشّرعيّ، فكلّما زاد الرّجل معرفة في البيان وقواعده كلّما ازداد معرفة بمراد الوحي، قال الإمام الشّافعيّ: لأنّه لا يعلم من إيضاح جمل علم الكتاب أحد جهل سعة لسان العرب، وكثرة وجوهه، وجماع معانيه وتفرّقها، ومن علمه انتفت الشّبه التي دخلت على من جهل لسانها. ا. هـ. (ص50 فقرة 169) . فمن جهل لغة العرب ثمّ فسّر الوحي على أيّ جهة كان وبأيّ قواعد أخرى فقد أخطأ وإن أصاب، قال الشّافعيّ: ومن تكلّف ما جهل ولم تثبته معرفته كانت موافقته للصّواب - إن وافقه من حيث لا يعرفه - غير محمودة والله أعلم، وكان لخطئه غير معذور إذا ما نطق فيما لا يحيط علمه بالفرق بين الخطأ والصّواب منه. ا. هـ. (ص52) .