فهرس الكتاب

الصفحة 282 من 611

أ) إنّ خطاب ابن آدم الصّالح لأخيه الآخر، هو خطابٌ عَلِمَ الأخ من أخيه أنّ تخويفه بالله قد يردعه ويردّه، وإلاّ فلو علم أنّ نفس الأخ غير متهيّبة لخطاب التّخويف من الله لما خاطبه به، ولكان هذا الخطاب عبثًا لا قيمة له، ثمّ تبيّن أنّ هذا الخطاب لم يجد نفعًا، وحيث تبيّن أنّ هذا الخطاب لم يجد نفعًا فكان لا بدّ من تغيير التّشريع ليوافق الحقّ، وهو عدم التّمادي في الظّلم، أو الاسترسال في تحقيق أهواء النّفوس بقتل الخصوم، وهذا هو جانب الافتراق كما سيأتي لاحقًا، إذًا فمقالة الرّجل الآخر:"اتّق الله"لن تفعل مفعولها إلاّ في نفس ترهب الله وتخافه، وهذا من جنس قول مريم عليها السّلام للملك الذي جاءها بالرّوح عيسى عليه السّلام: {قالت إنّي أعوذ بالرّحمن منك إن كنت تقيّا} ، فالاستعاذة بالرحمن لن يخفرها التّقي وهي استعاذة بكلمات الله الكونيّة لما خفي عن الإنسان من الجنّ وغيره وهذه تمنع البرّ والفاجر، واستعاذة بكلماته الشّرعيّة لما يراه الإنسان ويحسّه، فحين يقول المرء أعوذ بكلمات الله التّامّات من شرّ ما خلق فإنّ المقصود بهذه الكلمات هي الكونيّة وليست التّشريعية، فلو قال رجل مسلم لكافر: أعوذ بالله منك، وأراد الكافر قتله فإنّ هذه الكلمات لن تنفعه، أمّا إذا قالها لمسلم فإنّها تنفعه، كما نفعت كلمات المرأة التي لقّنت أن تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أعوذ بالله منك، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لقد عذت بعظيم، إلحقي بأهلك ) )، فإنّها نفعت مع من يعلم أن خفر ذمّة الله تعالى هي جريمة ومعصية توجب العذاب، فمريم عليها السّلام قيّدت نفع كلماتها - أعوذ بالله منك - ما إذا كان السّامع تقيّا، أمّا لو كان فاجرًا فإنّه سيخفر ذمّة الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت