من قام به من أجل الآخرة، واستعان على هذا الصبر بذكر الله تعالى، وبهذا يتحقق التوافق بين ذكر الأسوة وبين ذكر وصف القائم بها، وذلك بخلاف المتأسِّي به في غير هذا الباب، إذ أنّه قد تجتمع رغبة النّفس وشهوتُها مع الأسوة في أبواب أخرى كثيرة معلومة لدى القاصي والدّاني، لأنّ الأسوة في هذا الباب لا تكلِّف كثيرًا، ولا تصابر النّفس نفسها عليها، بل تقوم عليها راغبةً فرحةً، لا تخاف شيئا لترجو غيره، ولا تضطرب فتحتاج إلى الاطمئنان.
{ولمَّا رأى المؤمنون الأحزابَ قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله، وما زادهم إلا إيمانًا وتسليما% من المؤمنين رجالٌ صدَقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحْبهُ ومنهم من ينتظر وما بدَّلوا تبديلا} .
وبعد أن وصف الله تعالى المنافقين وأحوالهم، وذكر حركة الكافرين من الالتفاف حول المدينة، وبعد أن وصف الله تعالى عِظَم الزّلزلة على قلوب المؤمنين {هنالك ابتُليَ المؤمنون وزُلزلوا زِلزالًا شديدًا} أخبرنا الله تعالى عن الصحابة رضي الله عنهم، وماذا كان تفسيرهم لحدث الأحزاب وكيف كان فقههم له، {هذا ما وعدنا الله ورسوله} ، إنّ جمع الأحزاب هو وعدٌ الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وانظر أخي في الله تعالى إلى أدب الصحابة رضي الله عنهم حين سمُّوا الابتلاء وعدًا، مع أن لفظ الوعد يحمِل البِشارة وليس النِّذارة، والأحزاب نِذَارةٌ، فكيف سمّوا الابتلاء وعدًا؟.