فالابتلاء قد وقع بين سندانٍ ومطرقة، سندان المنافقين ومطرقةُ الكافرين، وهذا من أشدّ البلاء وأعظمه، وكما سيتبيّن لنا أنّ الكافرين قد ذهبوا وبقيت فتنة المنافقين بين أظهُرِ المسلمين، فما أشدّ هؤلاء القوم على أهل الإيمان!! وما أقسى ما تعاني الجماعة المسلمة منهم!! بل {هم العدوّ فاحذرهم قاتَلَهم الله أنّى يؤفكون} . وحديث القرآن عن النّفاق والمنافقين طويل مسهب، ولكنّ معاناة المؤمنين من هذا المَرض لم تكن إلاّ في حال الجهاد والقتال، إذ أنّ النّفاق لا يُطِلُّ برأسه، ولا يجد لكلماته قبولاّ وصدى إلاّ عند وقوع الابتلاء والمحن، فحين تضطرب النّفوس، وتبلغ القلوبُ الحناجرَ يكون لأراجيف النّفاق موطنٌ ونوع قبول... والنّفاق في القرآن على وصفين ومثلين:
المثل الأوّل: {مثلهم كمثل الذي استوقد نارًا، فلمّا أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركَهم في ظلماتٍ لا يبصرون، صمٌّ بكمٌ عميٌ فهم لا يرجعون} ..
المثل الثّاني: {أو كصيّب من السّماء فيه ظلماتٌ ورعدٌ وبرقٌ يجعلونَ أصابعهم في آذانهم منَ الصّواعقِ حذرَ الموْت والله محيط بالكافرين% يكادُ البرقُ يخطَفُ أبصارهم كلّما أضاء لهم مشوا فيه، وإذا أظلم عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إنّ الله على كلّ شيء قدير} ..
والمثلان القرآنيّان لحالتين واقعيّتين:
فالمثل الأوّل لنوع المنافق الذي لم يُسلم أبدًا، ولم يدخل الإيمانُ قلبَه قطّ، بل بمجرّد قدوم الحقّ عليه أنكره وأعرض عنه، فهذا مستقرّ قلبه على الكُفر، لكنّه أسلمَ ظاهِرًا خوف السّيفِ أو رجاءَ الأصفر (الذّهب) .